تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

أبو الفضل نكوئي (الحاج يونس)

رفيق درب الشهيد في فيلق القدس
رواية شاهد عيان وقائد استخباري رافق الحاج قاسم طيلة ١١ عاماً / ما هي أصعب اللحظات التي واجهت الفريق سليماني في سوريا؟
 رجل ساحة الوحدة

قدّم «الحاج يونس»، وهو أحد قادة الاستخبارات في فيلق القدس التابع للحرس الثوري، ولاول مره روايةً عن ۱۱ عاماً من مرافقته الدائمة للحاج قاسم سليماني. وتتناول هذه الرواية السمات الشخصية للحاج قاسم إلى جانب نبوغه العسكري الفذّ في القيادة الميدانية.
القسم السياسي في وكالة تسنيم الدولية للأنباء – مهدي بختياري وعبد الله عبد اللهي

فی أواخر العقد الثامن وأوائل العقد التاسع الهجري الشمسي [أواخر العقد الأول ومطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين]، عصفت الأزمة الأمنية في سوريا بأركان هذا البلد، ولا سيما المؤسسة العسكرية، وبلغت الأوضاع حداً جعل كثيراً من المسؤولين والمراقبين داخل إيران يعتقدون بأن أمر الحكومة السورية القائمة قد حُسم وأن سقوطها بات وشيكاً.
ومع تصاعد وتيرة هذه الاضطرابات — التي أفضت تدريجياً إلى تشكل وظهور فصائل مسلحة تكفيرية، وتفاقمت لاحقاً مع انضمام تنظيم داعش الإرهابي — كُلِّف الشهيد الفريق الحاج قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري آنذاك، بتقديم الدعم الاستشاري للحكومة السورية، فتوجه إلى هذا البلد.

وقد اقتصر هذا الحضور في بداياته على عدد محدود جداً من القادة الإيرانيين (لم يتجاوز عددهم أصابع اليدين)، من أمثال الشهيد اللواء حسين همداني و«الحاج يونس»، حيث وقعت على عاتقهم المهمة الرئيسة في تقديم الاستشارات لإعادة تنظيم وهيكلة الجيش السوري.

ولاحقاً، ومع تزايد دور تنظيم داعش، اتسعت رقعة الأزمة وتجاوز نطاق تهديداتها الحدود السورية، ملقياً بظلاله على مساحات شاسعة من منطقة غرب آسيا.

ولعل مواجهة هذه التهديدات والقضاء على دويلة داعش المزعومة في العراق والشام كانتا من أبرز وأهم مهام فيلق القدس؛ وهي الغاية التي استطاع الشهيد الحاج قاسم سليماني تحقيقها بعون الله وبمعاونة القادة والقوات الخاضعة لإمرته.

وبمناسبة الذكرى السنوية الرابعة لاستشهاد الحاج قاسم، وتزامناً مع مرور عقدٍ كامل على الأزمة السورية وتطوراتها، أجرينا هذا الحوار مع أحد أبرز قادة الاستخبارات في فيلق القدس. وإلى جانب استعراضه المباشر لوقائع الأحداث وتحليلها — ولا سيما في الأشهر الأولى لاندلاع الأزمة — تطرق ضيفنا إلى تبيان أبعاد شخصية الشهيد قاسم سليماني، مدعماً حديثه بذكريات من محطات مفصلية في الساحة السورية تحظى باهتمام واسع لدى المتابعين.
جدير بالذكر أنه ولدواعٍ أمنية، امتنعنا عن نشر صورة الضيف أو اسمه الصريح في نص الحوار، واكتفينا بالإشارة إلى لقبه الجهادي: (الحاج يونس)
ويُعدّ «الحاج يونس» من الرعيل الأول من قادة فيلق القدس الذين واكبوا الشهيد سليماني ورافقوه منذ بداية الأزمة السورية وحتى ختامها.

أول لقاء فوق برج المراقبة في منطقة الهور 

بسم الله الرحمن الرحيم؛ نرحب بكم ونهدي تحياتنا لروح أسطورة الشهداء، الحاج قاسم سليماني العزيز. نشكركم شکرا جزيلاً على قبول دعوتنا وتشريفنا بهذا اللقاء. كمدخلٍ للحوار وباعتباره سوالی الاول:
 لقد توليتَ على مدى العقد الأخير من الزمن مسؤوليةً في سوريا بحكم قربك من الحاج قاسم، حيث كنتَ، بحسب ما قيل، من أقرب أفراد دائرته ومن أكثرهم قضاءً للوقت برفقته. متى كان لقاؤكم الأول وكيف توطدت معرفتكم؟

الإجابة: بسم الله، وبكل شكر وامتنان، تعود معرفتي بالحاج إلى سنوات «الدفاع المقدس» (الحرب الإيرانية العراقية)، إذ كنت حينها أعمل في وحدة استخبارات «لواء المهدي» في شيراز. كنا في ذلك الحين نعمل على نصب أبراج للمراقبة في مختلف جبهات القتال، وقد بلغ بنا المران مبلغه حتى أصبحنا نُشيّد البرج الواحد ونُجهّزه في غضون نصف ساعة فقط؛ وهي أبراجٌ يتراوح ارتفاعها بين عشرين وثلاثين متراً، كنا نُثبّتها باستخدام أسلاك الشد.

وفي إحدى المرات، شُيِّدت هذه الأبراج في منطقة «هور العظيم»، ونظراً لأن البرج الواحد كان يتسع لشخصين فقط، فقد كانت وحداتٌ عسكرية مختلفة تتناوب على استخدامه؛ حيث كانوا يصعدون إليه بالتناوب للمراقبة ورصد المنطقة.

وفي أحد الأيام، قرابة الساعة العاشرة صباحاً، وبينما كنت أرتقي البرج، كان شخصٌ آخر يهبط منه في الوقت ذاته، ولضيق المسلك كان لزاماً عليّ أن أتنحى جانباً ليتسنى له العبور. وما إن جاوزني حتى تبيّن لي أنه الحاج قاسم سليماني، وكان آنذاك قائداً للواء 41 ثار الله

س : هل يعني ذلك أنه برغم كونه قائداً كان يصعد بنفسه إلى قمة البرج للاستطلاع؟

ج : نعم، كان هذا هو العرف السائد؛ إذ كان القادة يأتون بين الحين والآخر لاستطلاع المنطقة بأنفسهم من أجل التخطيط للعمليات. في ذلك اليوم، حين عبر الحاج قاسم بمحاذاتي، تبادلنا التحية واقتصر الأمر على ذلك، وكان ذلك لقائي الأول به.
 

مرد میدان وحدت

س : هل كنتَ تعرفه حينها؟ واقتصر

ج : على أية حال، كان قادة الألوية معروفين وذوي شهرة، وكنت قد سمعت باسم الحاج قاسم وأعلم أنه قائد لواء «ثار الله»، إلا أنه لم تكن بيننا معرفة وثيقة.

وظل هذا الحال حتى أواخر الحرب، حين احتل العراق منطقة دهلران وتقدّم في المحور الجنوبي حتى طريق «خرمشهر – أهواز»؛ وحينها كان لِواؤنا (المهدي «عج») ولواء «ثار الله» يرابطان جنباً إلى جنب هناك، فازدادت وتيرة لقاءاتنا بالحاج قاسم، وإن لم تكن بصورة مستمرة أو ملاصقة. وذات ليلة، تقدمتُ بكتيبة نحو الخطوط الأمامية، وتحدثت معه عبر جهاز اللاسلكي وقدمت له تقريراً عن الموقف، فبادرني بالشكر.


الإخلاص أهم سمات زمن الحرب 

س :كان الحاج قاسم في تلك السنوات أقل شهرة مقارنةً بأسماء مثل الحاج أحمد متوسليان، والشهيد همت، وباکري، وخرازي وغيرهم... بطبيعة الحال، هذا رأيي الشخصي وقد لا توافقني عليه، لكن لواء «ثار الله» وإن كان لواءً لكسر الخطوط واقتحامها، إلا أن شهرة الحاج لم تكن تضاهي شهرة الآخرين آنذاك؛ فكيف كان انطباعكم الشخصي عن شخصيته في تلك الحقبة؟
ج :إنّي أُعربُ عن انطباعي ورؤيتي الشخصية؛ فأنا أعتقد أنّ قادةً مثل الحاج هِمّت أو الحاج علي فـَضْلي وغيرهما، بحكم كونهم قادة لوحدات طهران (العاصمة)، كانت أسماؤهم تتردّد وتُسمَع أكثر بطبيعة الحال، إلا أنّ قادة الوحدات العسكرية جميعهم كانوا تقريبًا في مستوى واحد، ولعلّ بعضهم — كالحاج قاسم — كان أكثر شهرةً في سوح القتال من غيره..

وأساسًا، كانت إحدى ميزات الحرب — التي غَبَطْنا عليها أنفسنا وتحسّرنا عليها لاحقًا — أنّ أحدًا في ذلك الزمان لم يكن يكترث بالمظاهر الرسمية ولا بأسماء الآخرين ومناصبهم..

وكان الحاج قاسم أيضًا من قادة الصف الأول في الحرب. وكان لشكر (فرقة) «ثار الله» ذائع الصيت لكونه كاسرًا لخطوط العدو. وكذلك كان حال البقية، مثل لشكر «محمد رسول الله» أو لواء «المهدي» وغيرهما. فقد كان الأداء هو الذي يصنع شهرة القائد، وكان قادة الفِرق العملياتية والهجومية غالبًا ما يسطع نجمهم ويبرزون بشكل لافت.

ولا أريد أن أطرح كلامًا نمطيًّا أو مكررًا، ولكنّ إخلاص المقاتلين كان عاليًا إلى حدّ أنّه كان السمة الغالبة، وكان كلّ من ازداد إخلاصه ازداد محبةً وحظوةً في القلوب..


كنتُ أتمنى أن أذهب يومًا إلى الجولان

س :هل انقطعت صلتك به بعد الحرب أم كنتما تلتقيان؟

ج :بعد الحرب لم يكن لي به اتصال لفترة من الزمن، وكنتُ أسمع أخباره بين الحين والآخر فحسب. ثم التقيتُ به مرّة أو مرتين لقاءً موجزًا وقصيرًا جدًّا.

في أحد الأيام، وبينما كنتُ أصعد على برج المراقبة ورأيته، أحسستُ — دون أن تكون بيننا معرفة سابقة — بحبٍّ شديد له واستقرّت في قلبي مودّة عجيبة نحوه؛ غير أنّه لم يكن بيننا تواصل مستمر بحيث يُعدّ مسؤولًا عنّي أو ما شابه، إلى أن حلّ عام ۱۳۸۰ هـ.ش (۲۰۰۱ م) ورأيته في منطقة مهمته هناك. فقام أحد الأصدقاء بتقديمي إلى الحاج وقال له: «أتعرفه؟»، فأجاب الحاج: «نعم، أعرفه»، وكان من العجيب عندي أنّه ما زال يذكرني.

س : كيف انتهى بك الأمر إلى الالتحاق بقوة القدس؟

ج : بعد انتهاء الحرب، أعاد الحرس الثوري تنظيم هيكليته وشكّل خمس قوى: القوة البرية، الجوية، البحرية، قوات المقاومة (الباسيج)، وقوة القدس. وكنتُ أنا آنذاك أرغب بشدة في الالتحاق بقوة القدس، إلا أنّ الأمر لم يتيسّر، فبقيتُ في القوة البرية.

وفي عام ۱۳۶۴ هـ.ش (۱۹۸۵ م) احتدم الحديث عن لبنان، وكان بعض المقاتلين يُوفَدون إلى هناك. فتطوّعتُ أنا أيضًا ورُشِّحتُ للإيفاد. فقد كان هذا الشغف والاهتمام بالقضية قد نما في داخلنا منذ سنوات مضت؛ أي منذ عام ۱۳۵۸ أو ۱۳۵۹ هـ.ش (۱۹۷۹-۱۹۸۰ م) حين تشكّل لدينا هذا التعلق والارتباط بمسألة فلسطين ولبنان.

وأذكر حينها أن ما بين ۲۰ إلى ۳۰ فتى من طلاب المدرسة، بالزي العسكري، شاركنا في مخيم تدريبي دام شهرًا ونصف الشهر. وكنتُ صغير السنّ جدًّا، ولذلك أعطوني حربة بندقية (سونكي) عِوضًا عن السلاح. وفي إحدى الليالي، بينما كنتُ في نوبة الحراسة، وببراءة الطفولة تلك، خطر ببالي وقلتُ في نفسي: يا ليتني أذهب أنا أيضًا يومًا إلى هنا (الجولان).
وخلاصة الأمر، أُتيحت لي الفرصة في عام ۶۴ للإيفاد، وكنتُ آنذاك أخدم في لواء المهدي (عج)
في ذلك الوقت، كان السيد أسدي (العميد محمد جعفر أسدي) يشغل منصب قائد لواء المهدي. ففاتحته في رغبتي بالذهاب إلى لبنان في مهمةٍ تستغرق اربعه أشهر، فقال لي: "لا فرق بين هاهنا ولبنان". وكنتُ أخشى ألا يُبدي موافقته، لكنّه وافق، فتوجهتُ من الأهواز مباشرةً إلى طهران، ولم أعرج على منزلي.
ُس : هل مكثتَ في لبنان؟ 
ج : لا، إذ كنّا على أعتاب تنفيذ عملية "والفجر 8"، فعدتُ أدراجي بعد بضعة أشهر.

الحاج قاسم يُحدث تحولاً جذرياً في فيلق القدس
س : لطالما كانت قضية الأزمة السورية، منذ أواخر العقد الثامن (من التقويم الهجري الشمسي)، واحدةً من أهم مجالات المسؤولية التي اضطلع بها فيلق القدس في السنوات الأخيرة. ولعلّ الكثيرين يطرحون هذا التساؤل: ما صلة موضوع سوريا بنا أساساً؟ ولماذا كان لزاماً علينا أن نتواجد هناك؟ وكيف تبلور هذا الحضور؟

ج : للإحاطة بهذا الموضوع، ينبغي أن نعود بالذاكرة إلى الوراء قليلاً. لقد كان أحد الشعارات الرئيسة للثورة الإسلامية في إيران هو نصرة المظلومين وتحرير فلسطين والقدس، ولذا أُغلقت سفارة "إسرائيل" فوراً في العام ذاته .

وبعد انتصار الثورة بفترة وجيزة، برزت قضية احتلال لبنان إلى الواجهة، وأصبح للشيعة هناك ظهيرٌ وسندٌ قوي. كان الكثير من اللبنانيين يقولون: "كنا صغاراً حين أُعلن عن انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وقد خرج آباؤنا وأمهاتنا في القرى إلى الطرقات مهللين ومكبرين.

ومع مرور الوقت، تزايد ميل شعوب المنطقة نحو الثورة الإسلامية في إيران. في المقابل، لم تقف أمريكا وأوروبا والأنظمة الرجعية في المنطقة مكتوفة الأيدي، بل شرعت في مواجهة الثورة الإسلامية ونهجها القائم على مقارعة الکیان الصهیونی.

وفي عام 61 (هجري شمسي)، توجهت وحدة من حرس الثورة بقيادة الحاج أحمد متوسليان إلى لبنان، حيث وقعت تلك الأحداث التي تمخض عنها نداء الإمام الخميني (رض): "طريق القدس يمر عبر كربلاء". لم تكن تلك العبارة مجرد جملة عابرة، بل كانت استراتيجيةً ندرك اليوم أبعاد تأثيراتها.

حتى تشكّل "حزب الله" بفكره الثوري ومقارعة الكيان الغاصب واتباع ولاية الفقيه (الإمام الخميني)، فأضحى الحزب هو أساس العمل في لبنان، وأخذت إيران دور المستشار.

لقد أفضى هذا المسار في نهاية المطاف إلى طرد الكيان الصهيوني من جنوب لبنان، واستمر هذا النهج وصولاً إلى أحداث سوريا. وأنا أؤمن بأنّ كل ما يجري لنا من أحداث هو مقدّرٌ ومكتوب، وحضور الحاج قاسم في فيلق القدس كان من ضمن تلك الأقدار التي أحدثت تحولاً جذرياً في هذا الفيلق؛ إذ كان للحاج نفسه روحيةٌ جهاديةٌ وثوريةٌ متوقدة. لقد كان للحاج ملاحظاته وأساليبه الخاصة في التعامل، وبفضل جهده وفكره الاستراتيجي، نجح في تأسيس ائتلافٍ متعدد الجنسيات في سوريا؛ ورأينا حينها مقاتلين من دولٍ شتى يعيشون ويقاتلون جنباً إلى جنب، رغم تباين ثقافاتهم وروحياتهم.

كانت نظرة الحاج قاسم تتمحور حول أنه إن أردنا أمنًا في الجمهورية الإسلامية، فيجب أن تكون الدول المجاورة آمنةً أيضًا، ولهذا السبب كان يساعدها على تأمين بلدانها. وعندما يقول: "الجمهورية الإسلامية حرم"، فقد كان يؤمن حقًا بهذه الكلمات.
لقد تسارع نمو قوة القدس وارتقاؤها بشكل كبير تحت قيادة الحاج قاسم، وتحولت الآن إلى شجرة باسقة لا يستطيع أحد اقتلاعها.

اتصلوا من مكتب الحاج قاسم وقالوا: "عليك التوجه إلى سوريا"

س : كيف ذهبتَ بنفسك إلى سوريا؟ هل كان الحاج قاسم قد تحدّث معك؟

ج : في أحد الأيام من شتاء عام 1389 (بالتقويم الهجري الشمسي)، عندما بدأت الأزمة في سوريا للتو، كنتُ في مكتبي عندما اتصل مسؤول مكتبه وقال: "كن مستعدًا، لقد قال الحاج إنه يتوجب عليك الذهاب إلى سوريا"

 س : الم يذكروا المهمة بالتحديد؟

ج : علمتُ أنها كانت لأغراض استشارية. في اليوم التالي لوصولي إلى دمشق، التقيتُ بالسردار همداني. كانت تلك المرة الأولى التي أراه فيها عن قرب. عرّفتُ بنفسي، وقال لي إننا سنتحدث على الفطور. كنتُ أنا وهو، واثنان آخران، من بينهم الشهيد العزيز سيد رضا [موسوي]. تحدثنا عن كيفية بدء العمل، وتقرر أن أبدأ فورًا دون أي تأخير، بالنظر إلى معرفتي بالموضوع.
 

مرد میدان وحدت

الحاج قاسم إلى جانب الشهيد همداني والقائد محمد جعفر أسدي

س : هل اختاروك أنت شخصيًا؟

ج : يبدو أن الحاج قاسم كان لديه بضعة أشخاص في ذهنه لهذه المهمة، وأحد الأصدقاء قدّم اسمي. وكان الحاج قاسم على علم بي وقَبِل. إحدى سمات الحاج قاسم كانت أنه عندما يصل إلى قرار، يبادر بالتنفيذ بسرعة.

كان الجميع يقولون: إنّ حكومة بشار الأسد علی وشک السقوط

س : متى التقيتَ بالحاج قاسم في سوريا؟

ج : بعد ذلك بشهر . بالطبع، كان يأتي ويزورنا كل أسبوع. وفي إحدى الليالي، قال لي الحاج همداني: "كن مستعدًا، فلنذهب إلى الحاج". عقدنا اجتماعًا مع الحاج خلال عشاءٍ قصير، وبعد ذلك بدأنا العمل.

في البداية، لم يكن السوريون يولون الامور اهتماما ، وكانوا يقولون إننا سنحل الأمور بأنفسنا، لكننا كنا أكثر انخراطًا في الجانب التعليمي.

بدأ الاشتباك في بعض المدن مثل "جسر الشغور"، وقد قُتل عدد من أفراد الجيش. كان السوريون في حالة ارتباك. ازداد انعدام الاستقرار السياسي والاجتماعي، وبدأت توجهات الخطوط السیاسیه تظهر للعیان .

لقد انخرطت دولٌ كقطر، والسعودية، والأردن، بل وحتى مجموعاتٌ كـ «تيار المستقبل» برئاسة «سعد الحريري»، و«القوات اللبنانية» برئاسة «سمير جعجع»، ومعظم القوى المناهضة للمقاومة في لبنان، في تلك الموجة. وقد استدعت الدول الأوروبية والعربية سفراءها، واضعةً في يقينها أنَّ نظام الأسد سيسقط في غضون شهرين.

كانت وسائل الإعلام الخارجية هي التی تدیر الأزمة السورية

س : في داخل إيران أيضًا، كان الكثيرون، بمن فيهم بعض الشخصيات السياسية البارزة، يتبنّون الرؤية نفسها

ج : أما نحن، فإذ عاينّا تسارع التحولات لحظةً بلحظة، وسقوط بعض المدن -التي كانت تفلت من سيطرة الدولة أحيانًا دون قتالٍ يُذكر- كان تقديرنا أنَّ حكومة بشار الأسد ستسقط في غضون خمسة أشهرٍ على أبعد تقدير.

لا شك أنني كنتُ أرى الدور الإعلامي فائق التأثير. فلو مكثتَ في سوريا آنذاك أسبوعًا في منزلك، مقتصرًا على متابعة الإعلام والفضاء الإلكتروني، لساورك القلق حتمًا حين تقرر الخروج؛ فقد كان الضغط الإعلامي هائلًا. وحينها لم يكن لدى الدولة السورية سوى قناتين تلفزيونيتين بنظام البث التناظري (الأنالوج)

في غضون ستة أشهرٍ إلى عام، أعلنت ما بين 250 إلى 400 جماعةٍ العمل المسلح، وانشقّت أعدادٌ كبيرة من أفراد الجيش والشرطة، وكانوا جميعًا يعلنون انشقاقهم عبر فيديوهاتٍ تُبث على فيسبوك. هذه المعطيات خلقت حالةً من انعدام الثقة الشديد تجاه الجيش. ومن جهةٍ أخرى، كانت النعرات العرقية والمذهبية قد بلغت أشدّها.

انصبَّ اهتمامنا أكثر على الجانب الإعلامي. أطلقنا منظومةً ودعونا أشخاصًا لمواجهة تضليل فيسبوك وشبكات التواصل التي كانت تبثّ الأكاذيب، وبالتوازي عملنا على تعزيز التلفزيون السوري.

بناءً على مسؤوليتي، شرعتُ في العمل وتأسيس قنوات التواصل. كانت سرعة التحولات مذهلة، لدرجة أنك إذا غادرتَ مكانًا في الصباح، لم تكن على يقينٍ من قدرتك على العودة إليه مساءً.

مرةً عندما زرتُ حلب، تجولتُ حول قلعتها وارتدتُ المقاهي، وكان الوضع يبدو طبيعيًا حتى أنَّ أهل حلب أنفسهم كانوا يقولون إنها لن تسقط. لكن بعد يومين، سقطت أجزاءٌ كبيرةٌ من المدينة في أيدي المسلحين! وبالتدريج راحت المدن الكبرى تسقط وتخرج عن سيطرة الدولة، حتى في دمشق نفسها، لم يبقَ تحت سيطرة الحكومة سوى جزءٍ من مركز المدينة.

 

مرد میدان وحدت

لم يبلغ عدد المستشارين الإيرانيين في سوريا عشرة أفراد

س : حتى إنهم أشاعوا خبر وصول المسلحين إلى قصر الرئاسة

ج : في الحقيقة، لم يصلوا إلى القصر، لكنهم بلغوا حي «الشيخ محي الدين» القريب منه. كما كان طريق المطار على وشك الانقطاع؛ إذ سيطر المسلحون على جزءٍ منه. كانت وتيرة الأحداث سريعة، وكانت الدول العربية تستخدم المال للتأثير على شخصياتٍ وازنة، من بينهم رئيس الوزراء السوري آنذاك «رياض حجاب». وكما تعلمون، فقد فرَّ الرجل، مما ولّد وضعًا غاية في السوء. فجّر المسلحون «مجلس الأمن القومي»، وقُتل «آصف شوكت» رئيس هيئة الأركان -وكنتُ أعرفه سابقًا- وكذلك وزير الداخلية في هذا الحادث.

بينما قُتل وأُصيب عددٌ آخر، وسادت حالةٌ من الاضطراب العارم. في دمشق، كان المشهدُ عسيرًا؛ إذ بالكاد کنت تجدُ مركبةً تسير في الطرقات، کانت السیارات اما عسکریه او حکومیه. فقد أضحت المدينة مشلولة الحركة تمامًا.

 

تزامن ذلك مع نزوحٍ كثيفٍ للمواطنين خارج المدينة، مخلّفين وراءهم زحامًا مروريًا امتدّ لعشرة أو خمسة عشر كيلومترًا وصولًا إلى الحدود اللبنانية. في تلك الآونة، کان الحاج قاسم فی داخل سوریه وكان عددنا قلیلا من خمسة إلى عشرة أفراد، نضطلع بمهامنا الاستشارية.

 

كان الحاج قاسم لا ينفكّ يتردد علينا ويعقد معنا الاجتماعات؛ إذ كان برنامج عملنا وتوصياته التي يشدد عليها تتركز في جوهرٍ واحد: "لا تسمحوا بسقوط سوريا، فلو سقطت، فمآلات ذلك على المنطقة برمتها مجهولة العواقب. عاودوا العمل والنشاط، وقاوموا ما استطعتم، حاولوا الحفاظ علی سوریه ".

ومن هنا تبلورت نواه "قوات الدفاع الوطني"

الحاج قاسم لم يقطع الأمل حتى الرمق الأخير

س : هل ان عدم الاعتماد هذا اضافه الی کون الجميع، کانوا يرون أن سقوط الحكومة أمرٌ محتوم، کان له دورا کبیرا  فی وقوع التحولات القادمه؟  

ج : لقد أفضيتُ إليكم سابقًا عن سرعه التحولات و سقوط المراکز الحکومیه . واننی کنت علی اعتقاد  أن رئيس الحكومة آنذاك "رياض حجاب" كان قد أيقن بسقوط الحکومه  ولعله كان يُحدّث نفسه بوجوب النجاة وكانُ حينها یعدّ العدة لإنقاذ نفسه ، کانت الامور تجری بسرعه کبیره بحیث  كان يتملّكنا نحن ایضا الشعور احیانا  بأنّ الأمر قد انتهى.

لقد كان ذلك هو ديدن الكثير من قادة الجيش السوري، بل وحتى کثیر من المسئولین کانوا یظنون ان  السقوط بات قاب قوسين أو أدنى. لكنّ الحاج قاسم، ظلّ متمسكًا حتى الرمق الأخير، باذلًا كلّ ما في وسعه للحيلولة دون سقوط سوريا، ولم تفتُر عزيمته قط.

تأسيس "قوات الدفاع الوطني" كان أول التدابير الحاسمة

س : اذا یمکن القول ان الدفاع الوطنی قد تشکل لتغطیه هذا الفراغ

ج : عندما رای الحاج قاسم هذا الاضطراب فی النظام ، عمد إلى تأسيس هذا الهيكل مستلهمًا نموذج "الباسيج" الإيراني، ووضعه تحت إشراف أكثر الشخصيات ثقةً لدى رئيس الجمهورية. وفي غضون أشهرٍ معدودة، جرى استقطاب وتنظيم آلاف الأفراد الموثوقين ضمن إطار "الدفاع الوطني".

قبل ذلك، كانت قد تبلورت في المدن ذات الأغلبية الشيعية مجموعاتٌ تشبه "الباسيج" لحماية تلك المناطق .

لقد تأسست "قوات الدفاع الوطني" على أسسٍ متينة، وعمل الحاج قاسم على ربطها بالدولة، وتولّى بنفسه دور المستشار والمدرب. وكمنت عبقريته في إدراكه لضرورة الاستعانة بإرادة الشعب لمواجهة المسلحين، والجمع بين صلابة الجيش الوطني وزخم المتطوعين، مع الإصرار على توحيد القيادة والإدارة.

ومن الطريفِ أنَّ بعض المسؤولين السوريين لم يبدوا حماسةً لهذه القوات في بادئ الأمر، إلا أنه ومع توسع التجربة، ظهرت تشكيلاتٌ مماثلةٌ أثبتت فاعليتها، مثل "قوات صقور الصحراء" و"قوات العميد سهيل" وغيرها...

س : سمعنا اسم «العميد سهيل» كثيراً، هل التقيتَ به شخصياً؟ وما كان تقييمك له؟

ج : كان سهيل الحسن ضابطاً في القوات الجوية، استطاع أن يجمع حوله أعداداً غفيرة من المتطوعين. لقد كان رجلاً شجاعاً بحد ذاته، ولذلك أحبّه الكثيرون واستقطب جمعاً غفيرا.ً

لم يبقَ في يد الحكومة سوى ۲۰٪ من حلب

على أية حال، وبفضل هذه المبادرة من الحاج، تشكّل جيشٌ شعبي إلى جانب الجيش السوري. وعقب ذلك، قام الحاج قاسم بعمل مهم آخر، وهو تأسيس مقرَّين رئيسيين للقيادة؛ أحدهما في الجنوب (دمشق) باسم السيدة زينب (عليها السلام)، والآخر في الشمال (حلب) باسم السيدة رقية (عليها السلام)

كانت الأولوية الأولى تتمثل في أمن مدينة دمشق، تلتها في المرتبة الثانية أولوية أمن مدينة حلب التي تُعد العاصمة الاقتصادية لسوريا. وكان ذلك في وقت لم يبقَ فيه بيد الحكومة سوى ۲۰٪ من مدينة حلب، ولو كانت قد سقطت، لتحولت إلى ساحة شبيهة بما جرى في إدلب.

مرد میدان وحدت

انظروا الآن إلى عقلية الحاج وتدبيره؛ فقد كان ذلك نابعاً من إخلاصه وعِرفانه، وبالتأكيد كان عون الله وتوفيقه حليفه. وعندما تشكل الدفاع الوطني وأثبت جدارته، وضع الحاج خطة لعملية مطار حلب. وكنتُ شخصياً حاضراً في مراحل التخطيط لهذه العملية؛ إذ عقدنا عدة جلسات وتوصلنا إلى نتيجة مفادها ضرورة التركيز على طريق «إثريا» المؤدي إلى «السفيرة»، وكانت السفيرة في تلك المرحلة لا تزال ترزح تحت الاحتلال.

صُمّمت هذه العملية ونُفّذت على يد الدفاع الوطني، وفي غضون ۱۰ أيام وصلنا إلى النقطة الرئيسية، أي السفيرة، مما فتح متنفساً وممراً حيوياً لمدينة حلب.

وهذا يعني أن الحاج قاسم أسس أولاً الدفاع الوطني، ثم بعث فيه الروح والحيوية عبر العمليات الميدانية. وبموازاة ذلك، بدأت في دمشق عملية تطهير طريق المطار الذي كان المتنفس الوحيد للمدينة. وفي غضون ۳۰ يوماً، أُنشئ حزامٌ أمني حول المدينة لقطع الطريق أمام تسلل المسلحين.

وبهذا الإجراء، تشكل خط دفاعي محكم لمدينة دمشق وحيل دون دخول المسلحين إلى المناطق التي كانوا قد احتلوها. كانت دمشق وحلب نقطتين استراتيجيتين؛ فلو كانتا قد سقطتا لكان الوضع سيزداد سوءاً وتدهوراً، ولما كان بأيدينا أي أوراق قوة في مفاوضات مسار أستانا اللاحقة. لقد كان هذا نابعاً من حنكة الحاج وبُعد نظره.

وبعد عملية حلب، انطلقت عمليات تحرير سائر المدن. ودعني أذكر نقطة في غاية الأهمية: حتى ذلك الحين، كان جلّ التركيز ينصبّ على المكونات غير السنية؛ أي الشيعة والعلويين وبعض المسيحيين. وبعبارة أخرى، كان هناك اصطفاف سنيّ وغير سنيّ، مع وجود بعض القوميين، وإن كانوا قلة. لكن هذه المعادلة انكسرت في حلب.

صحيح أننا بدأنا العمل مع الدفاع الوطني، إلا أن أحد أهم تأكيدات الحاج قاسم كان مساعدة الناس ليدافعوا عن مناطقهم بأنفسهم. ولهذا السبب كنا نتجه إلى كل مدينة وقرية لنطبق هذا المبدأ، على الرغم من أن سكانها كانوا في غالبيتهم من أهل السنّة.

وفي حلب، تم تنظيم قرابة ۵ آلاف شخص ضمن تشكيلات ومجموعات مختلفة للتصدي للمسلحين، وكان ذلك كفيلاً بقلب الموازين.

وبعد ذلك، قام الحاج بعمل عظيم آخر صبّ في إطار تشكيل «جيش عالمي»، وتمثل ذلك في إشراك الشيعة وغير الإيرانيين في مجريات الأحداث في سوريا؛ حيث أشرك «الفاطميون» من أفغانستان، و«الحيدريون» من العراق، و«الزينبيون» من باكستان، وكل من كان يحمل ولاءً لأهل البيت (عليهم السلام).
 

مرد میدان وحدت

وكان عددهم في الأيام الأولى محدوداً للغاية، لا يتعدى نحو ۱۰ أو ۵ أفراد، لكن هذا النطاق سرعان ما اتسع وتنامى لاحقاً. وكان ذلك بدوره ثمرة التدابير الحكيمة للحاج، والتي تبلورت بعون الله وتوفيقه؛ إذ كان الله يفيض بهذه الرؤى والأفكار في ذهن هذا الرجل بفضل إخلاصه ونقاء سريرته.

 التنسيق بين أطراف جبهة المقاومة في معركة الدفاع عن غزة 

إننا نشهد اليوم ثمار هذا الائتلاف وتجلّياته في جبهة المقاومة؛ حيث نرى في خضم معركة غزة كيف يهبّ أعضاء هذه الجبهة للدفاع والتضامن المتبادل، دونما حاجة إلى غرفة عمليات مشتركة جامعة، مما أوقع الولايات المتحدة وأوروبا في حيرة وتخبّط حيال كيفية التعامل مع هذا الواقع.

كان الحاج قاسم يسترخص روحه، ويتحرى الدقة المطلقة في كل ما يعرضه على القيادة (الولاية) 

س : حسناً، هذه العبقرية العسكرية التي كان يتمتع بها الحاج قاسم لم تكن نتاج دراسات وأكاديميات عسكرية تقليدية؛ فمن أين نبعت هذه الرؤية وتلك القدرة الفذة على اتخاذ القرار؟

ج : لا شك في أن كل ذلك كان بتوفيق من الله وعنايته، غير أن الحاج كان بطبعه قائداً عملياً ميدانياً بكل ما تعنيه الكلمة. لم يكن من طراز القادة الذين يكتفون بالجلوس والتخطيط ثم يصدرون الأوامر للآخرين بالتنفيذ؛ بل كان ينزل بنفسه إلى ساحة الميدان ليعاين الأوضاع ويدرسها عن كثب، وحين يخلص إلى قناعة أو نتيجة، يُصدر توجيهاته بالتنفيذ فوراً. وحين يتواجد القائد بنفسه في الميدان ويجري التقييم العياني المباشر، تكون قراراته بلا ريب أدقّ وأصوب.

وفي الوقت ذاته، كان حاضراً ومواكباً للقضايا الكبرى وعلى تواصل واسع مع الجميع، دون أن يحصر نفسه في إطار جغرافي محدد أو قالب فكري وعقائدي ضيق. والسمة الأخرى للحاج قاسم — وإن بدت هذه العبارة تقليدية أو مكررة في نظر البعض، إلا أنها جوهر الحقيقة — هي أنه كان يرى نفسه جندياً حقيقياً وخالصاً للولاية؛ فكان جلّ سعيه واجتهاده ينصبّ على تحقيق وتفعيل رؤى القيادة وأوامرها. وكان يحرص أشد الحرص على أن تكون المشورة والتقارير التي يرفعها إلى القيادة دقيقة، وصحيحة، ومستوفية بنسبة مئة بالمئة؛ وكان مستعداً للتضحية بروحه آلاف المرات في سبيل ذلك، في حين يتحرى أعلى درجات الدقة والصدق في كل ما يطرحه أمام الولاية.


... قائداً كان ينزل إلى الكمائن وخنادق المرابطين، يجلس مع المقاتلين ويرشدهم، مثلاً: كيف تبنون خنادقكم وأين تتمركزون و... إلى حدٍّ يُخيّل إليك أنه لا وجود لتلك الرتب والجنرالات الرفيعة حوله. وبعد أيام قلائل، تجده يشارك في اجتماعات المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، أو يذهب إلى الكرملين ليتحدث بحزم وقوة أمام بوتين؛ وحيث إن معلوماته كانت ميدانية حية، فقد كان لكلامه وحديثه نفوذٌ وتأثيرٌ بالغ.

لم أرَ الحاج قاسم ينام ليلة واحدة مستريح البال

س : لقد كنتم لأكثر من عقدٍ من الزمان أحد أقرب رفقاء درب الحاج قاسم سليماني؛ أيُّ سمةٍ من سماته بقيت أكثر رسوخاً في ذاكرتكم؟
ج : كان الحاج قاسم شخصاً عاطفياً ورقيق القلب إلى أبعد الحدود، وفي الوقت ذاته كان مقتدراً ومهيباً للغاية. وعندما كنا ندرك أنه لن ينام لعدة أيام مقبلة، لم نكن نشعر بالخوف أو الجزع من هيبته وسلطته، بل على العكس تماماً، كنا نستبشر بمقدمه ورؤيته ونشتاق إليه؛ إذ كان دقيقاً في العمل ومتقدماً علينا بخطوات، وكنا نتمنى لو نبقى في رفقته دوما.ً
كان الحاج قاسم متمكناً ومحيطاً بكافة القضايا: سواء المسائل العسكرية والميدانية، أو أدق التفاصيل التكتيكية والسياسية، فضلاً عن الملفات الاستراتيجية والدولية؛ وهذه الأبعاد الاستثنائية هي التي كانت تضفي على شخصيته جاذبيةً وهيبةً خاصة.
وخلال سنوات معرفتي الوثيقة بالحاج قاسم على مدى أحد عشر عاماً، لم أره ليلة واحدة ينام مطمئناً هادئ البال؛ حتى عندما كان في طهران، كان يتواصل هاتفياً عدة مرات في كل ساعة من ساعات اليوم لإدارة الشؤون ومتابعة المهام.
 

مرد میدان وحدت

العرفان والإخلاص: سمتان بارزتان في شخصية الحاج قاسم

كان جاداً وحازماً للغاية في عمله ولا يميل إلى المزاح، حتى إنه كان يغضب أحياناً. وأنا شخصياً رأيته يخرج من الاجتماع لعدة مرات غاضباً، ولكنه كان يعود بعد ذلك ليتفقد الحاضرين ويطيّب خواطرهم.
ولم يحدث قط أن جلس إلى مائدة الطعام بمفرده؛ فإذا لم يكن هناك قادة آخرون، كان ينادي المرافقين والحراس والعاملين في الخدمات ليتناولوا الطعام معه حول المائدة نفسها.
لقد كان قائداً عارفاً بالمعنى الحقيقي للكلمة؛ لم يكن يعرف التصنّع أو الرياء، ولم يترك صلاة الليل قط. وكان يولي احتراماً وتقديراً عظيمين لمن يملكون شخصية وكرامة.
ولم تشاهدوا الحاج قاسم قط جالساً خلف مكتب رسمي، بل كان دوماً يجوب الصحارى والمقرات والخنادق ويتحدث مع الأفراد. وكان يحمل معه على الدوام بضعة كتب؛ ولم يكن يضيع وقته هدراً دون فائدة.
وقولنا إنه كان «عارفاً» ليس مجرد كلام مكرر أو شعارات فضفاضه؛ فأنا بعد استشهاد الحاج قاسم، كلما قرأت وراجعت كتب العرفان، لم أجد فيها إلا ما كان يطبقه الحاج قاسم واقعاً، وكان كل عمله خالصاً لوجه الله تعالى فقط.

ردّ فعل الحاج قاسم على إشادة أحد مراسلي شبكة بی بی سی 

في إحدى الفترات التي تكبّد فيها تنظيم «داعش» هزائم في العراق وتصدّر اسم الحاج قاسم عناوين الاخبار استضافت قناه بی بی سی الفارسیه ثلاثه خبرائ ومحللین لیتحدثوا عن شخصیته و کان احدهم معروفا بعدائه للجمهوریه الاسلامیه . فاخذ هولائ الخبراء يحللون ويقولون: «إن هذا الرجل هو الذي أشعل الفتن والاضطرابات في المنطقة وتدخل في سوريا والعراق و...» الی ان وصل الدور الی هذا الشخص فقال: «لقد كان لدينا في إيران أمثال قاسم سليماني في السابق أيضاً؛ من قبيل الشهيد چمران. فقاسم سليماني رجلٌ واسع المعرفة وذو ثقافة عالية، وقائدٌ عارفٌ ومقتدر

مضت هذه الواقعة، إلى أن كنّا بعد بضعة أشهر في حلب على مائدة العشاء، فقلتُ للحاج: «هل سمعتَ ما قاله عنك أحد الأشخاص في قناة بي بي سي؟قال لا وکان مقطع الفیدیو محفوظا علی جهازی اللوحی ( التابلت )فعرضته علیه . ومان استمع الی عباره( قائد عارف)حتی قال ابعده عنی ، اطفئه ، اذ کان یفر فرارا من الثناء والمديح.

كان يتحرّز بشدة من هذه الأمور ومن مثل هذا الكلام في حقه؛ ففي أثناء حياته الدنيوية، لم يكن يطيق ذلك أبداً ولا يستسيغه.

كان الحاج قاسم عارفاً بحق، ولهذا نفذ إلى أعماق القلوب وملكها؛ حتى إن كثيراً ممن شاركوا في تشييعه لم يروه في حياتهم قط. وكان محبوباً خارج إيران في بلدان شتى، من أمريكا اللاتينية إلى الدول العربية التي قد تكون لديها بعض الحساسيات الخاصة، وكان يحظى بالمنزلة ذاتها. ومستحيلٌ أن يطلب منه أحدٌ عوناً أو مساعدة ويجيبه بالرفض أو كلمة لا
وفي إحدى المرات ذهبنا لتفقّد بعض المناطق، وفي أحد الكمائن حيث كان يرابط الإخوة الأفغان (لواء الفاطميون)، ذهب وتحدث إليهم. كانت ظروف الإسناد اللوجستي والإمكانات متردية، بل وكان هناك نقص في الطعام، وكنا قد وصلنا إلى هناك بمشقة بالغة وعلى متن دراجة نارية. فقال الحاج: «سأبقى جالساً هنا حتى تذهبوا وتأتوا لهم بالطعام والتجهيزات». ورغم إلحاحنا الشديد عليه بأن: «تفضل أنت بالذهاب ونحن سنتولى الأمر»، إلا أنه أبى ورفض، وظلّ ماكثاً إلى أن ذهب الإخوة وأنجزوا ما أمر به. وكان يقول لهم: (أنتم أعزاء جداً على قلوبنا).

الرسالة التي كتبها الحاج قاسم لصاحب البيت السوري 
س : قرأتُ في إحدى الذكريات أن الحاج قاسم كتب رسالةً بخط يده لصاحب أحد المنازل في حلب بعدما تحوّل إلى مقرّ عسكري، وأنكم تحتفظون بصورة لتلك الرسالة؟

ج : لم تكن تلك الواقعة في حلب، كما أن ذلك المنزل لم يكن مقراً. بل كان ذلك في «البوكمال». وإذا لم يتهمني أحدٌ بالمبالغة والإغراق، لقلتُ إن بعض الأمور كانت تُلهم إليه إلهاماً.

كنا في أطراف البوكمال، وكان الأهالي يغادرون المنطقة بالتنسيق معنا، وكانت الأوضاع محفوفة بمخاطر جمّة. وفي ظل تلك الظروف الخطرة، قدم الحاج إلى المنطقة وكنا في غاية القلق والخوف عليه.

بتنا ليلتنا هناك، واستقر القادة في أحد المنازل، بينما كان هناك منزلٌ آخر ملاصق له، فتوجهتُ إليه برفقة الحاج والشهيد «پورجعفري» واثنين أو ثلاثة من المرافقين لنيل قسط من الراحة.

فقال الحاج قاسم: «أريد متابعة صور طائرات الاستطلاع (المسيّرات) وتجهيزاتها». فأعددنا له المعدات واللوازم. وفي أواخر الليل قال: «ابقوا أنتم مستيقظين ريثما أذهب لآخذ غفوة قصيرة». وبمجرد أن انصرف، أخذنا النومُ نحن أيضاً من شدة التعب. وعند الصباح حين استيقظنا لأداء الصلاة، قلتُ له: «من الأفضل ألا نبقى هنا وأن نغيّر موقعنا»، فوافق الحاج على ذلك. ثم كتب شيئاً على ورقة، وقال: «كونوا حذرين وأنتم في منازل الناس، وإياكم أن تمسّوا أموالهم أو مقتنياتهم بسوء». ثم دخل إلى الغرفة التي نام فيها، وعاد بعد دقائق معدودات.

في اليوم التالي، وخلال الاجتماع الذي عُقد — إذ كان الحاج يعقد اجتماعاً يومياً مع القادة للتنسيق وإبلاغ التوجيهات والأوامر — شدد قائلاً: «احرصوا أشد الحرص على منازل الناس وممتلكاتهم ولا تمسوها بسوء». ثم أردف: لقد بتُّ أنا نفسي ليلةً في أحد المنازل، فكتبتُ رسالةً لصاحب البيت وأوضحتُ له الأمر.
 فذهبتُ عندئذ والتقطتُ صورتين لرسالة الحاج وخط يده.

قائد روسي كان يقول: (أنتم شعبٌ شجاع، ذو تخطيط، صريح، وصاحب جرأة وإقدام)

سؤال: يُعدّ دخول روسيا إلى ساحة المعركة من الملفات المهمة في سوريا، وقد كَثُرَ اللغط والحديث حول هذا الأمر؛ إذ يسعى البعض إلى الإيحاء بأن إيران كانت تعمل تحت إمرة الروس، ويقولون إننا كنا بمثابة القوات البرية لروسيا ولولاهم لما حققنا النصر. ما مدى اطلاعكم على مجريات هذا التنسيق؟ وكيف كانت طبيعة علاقتنا بالروس؟

جواب: حتى تلك المرحلة، لم يكن للروس أي حضور عسكري، وكان دعمهم سياسياً في معظمه. وحدث ذلك حينما بدأ الأمريكيون بشن الضربات الجوية، وتعاظم الدعم الذي تقدمه أمريكا وأوروبا والدول العربية للمسلحين، لدرجة أن الحرب في سوريا لم تعد تقتصر على التكفيريين فحسب، بل تحولت إلى حرب إقليمية. وهنا، وكما هو شائع في مناطق أخرى من تشكيل التحالفات في شتى بقاع العالم، تشكّل تعاوننا مع الروس، وكان ذلك أيضاً بتدبيرٍ وحكمةٍ من الحاج قاسم.

كان للجيش السوري بالفعل اتفاقية تفاهم مع الجيش الروسي تمتد لأكثر من ثلاثين عاماً في مجالات التدريب والتسليح؛ ولذا، ونظراً للأضرار الجسيمة التي لحقت بالمطارات والمنظومات الجوية، تقرر أن تقدم روسيا الدعم الجوي لإيجاد حالة من التوازن والتكافؤ في المنطقة. وكنا نريد مشاركة الروس لأن سلاح الجو السوري كان قد أصابه الإنهاك والضرر، وكنا بحاجة إلى مساندتهم في مختلف المناطق، لا سيما لفك الحصار عن بلدتي الفوعة وكفريا.

وقد استجاب الروس لذلك؛ حيث نشروا في البداية سربهم الجوي في اللاذقية، واستقرت بقية قواتهم في ثكنات الجيش السوري. ومنذ ذلك الحين فصاعداً، كنا نعمل معاً بصورة مشتركة في معظم الأمور، بينما كانوا يتحركون في بعض المناطق بشكل مستقل.

ومنذ تلك اللحظة، اتسمت معظم العمليات بالطابع المشترك؛ بدعمٍ جوي من الروس وتنسيق بيننا وبين السوريين، وكان تحرير حلب أحد أبرز الشواهد على ذلك. وتجدر الإشارة والتأكيد هنا على أن القوات الخاصة الروسية تواجدت منذ البداية وتمركزت في بعض المناطق وشاركت في العمليات، بل ونفذت بعض الإجراءات بشكل مستقل في مناطق محددة. ومع ذلك، كانوا في جميع هذه الشؤون يصرون على التنسيق معنا ومشاركتنا في التخطيط. أما المزاعم التي يروج لها البعض، من قبيل قولهم: «إننا صرنا قوات مشاة لروسيا»، فهي أقاويل سقيمة ومرضية تصدر عن أناس ديدنهم تصيد العيوب وتوجيه الانتقاد لأي خطوة تُتخذ.

لقد كان لحضورنا وآرائنا اهمیه بالغه لدی الروس اذ کانوا یاخذون بآرائنا فی جمیع مخططاتهم ، وهذا بحد ذاته مبعث فخر واعتزاز لنا كأبناء لهذه الثورة.

وفي خضم هذا التعامل مع الروس في الملف السوري، حمدتُ الله مراراً وتكراراً أنني ولدتُ في أرضٍ تقودها هامات شامخة؛ كالإمام الخميني (رحمه الله) والإمام الخامنئي (مد ظله)، وتحت إمرة قائدٍ مثل الحاج قاسم، الذي وقف بكل عزة واقتدار وثبات أمام كبرى قوى العالم.

والعبارة التي كان القادة الروس يوجّهونها إلينا هي: أنتم شعبٌ شجاع، صاحب تخطيط، صريح، وذو إقدام وجرأة

صورة الحاج قاسم في منزل قائد روسي 
إنني على يقين بأن الاحترام والتقدير الذي كان يكنّه القادة الروس في سوريا للحاج قاسم، كان يضاهي تقديرهم لبعض أساطيرهم ورموزهم التاريخية؛ فقد كانوا يحبون الحاج قاسم من صميم قلوبهم.

وفي إحدى المرات، رأى أحد القادة الروس صورةً للحاج قاسم على طاولتي، فقال لي: «أودّ لو أحصل على صورة له لأحتفظ بها لنفسي». وهذا أمر غير مألوف على الإطلاق بين الروس. فأهديته صورةً جميلة للحاج وهو يرتدي الزي العسكري، إذ كان الروس يُعجبون بالصور العسكرية.
وبعد بضعة أشهر، حين التقيناه مجدداً، قال لي إنه علّق تلك الصورة في أفضل مكان في منزله.

لقد كان الفكر الاستراتيجي للحاج هو الذی دفع الروس للنزول إلى الميدان في سوريا، وما تزال أواصر العلاقات والتعاون الطيب قائمة حتى الآن.


حصار الفوعة وكفريا كان يؤلم الحاج قاسم كثيراً
 
س : خلال هذه السنوات، ما هي المرحلة التي كانت أشد وطأةً وأكثر قسوةً على الحاج قاسم في سوريا؟

ج : إحدى تلك المراحل كانت في بدايات اندلاع الأزمة؛ حين كانت سوريا على وشك الانجرار إلى أتون الحرب، وكان الجميع يرددون أن أمر سوريا قد حُسم وانتهى؛ وتلك الجلسة التي تحدثتُ عنها حين عقدها الحاج قاسم وأطلق تلك المواقف المشهودة بأننا لن نسمح لسوريا بالسقوط.

والمرحلة الأخرى كانت حين عزم على فك الحصار الشديد والمطبق عن أهالي الفوعة وكفريا؛ إذ كان الخطر المحدق بأهالي هاتين البلدتين يؤرقه ويؤلمه إلى أبعد الحدود.

مثل نُبُّل والزهراء؟

لم تكن أوضاع نُبُّل والزهراء بذات السوء والوخامة التي كانت عليها الفوعة وكفريا. صحيحٌ أن نبل والزهراء كانتا محاصرتين، لكنهما في جزء صغير كانتا متجاورتين مع المنطقة الكردية، مما أوجد متنفساً وممراً صغيراً، أما الفوعة وكفريا فلم تكن حالهما هكذا؛ بل كانتا محاصرتين بالكامل من قِبل الجماعات التكفيرية ذات النزعة الوحشية التي كانت تبذل كل ما بوسعها لإبادة أهالي هاتين المنطقتين من الشيعة.

غير أن هناك نقطة مهمة للغاية، وهي أن الحاج — وفي ذروة تلك الأوقات العصيبة — كان ملؤه الأمل والرجاء، وهذه سمة أهل الإيمان والعرفان الحقيقيين.

تنبؤ الحاج قاسم بتحرير حلب 

س : كنتُ أظن أنك ستذكر معركة حلب مثلاً

ج : كانت لحلب أيضاً صعوباتها ومشقاتها الكبيرة. فعندما کان  ثلثا المدينة یرزح تحت سيطرة المسلحين، قال الحاج قاسم: «أريد الذهاب لتفقد قلعة حلب». فتملكني قلق بالغ وقلتُ له: «لا تذهب بنفسك، فالأمر محفوف بالخطر»، إلا أن الحاج أصرّ على الذهاب بنفسه.


نسّقتُ مع قائد القلعة — وكان ضابطاً سورياً — وأخبرتُه بأنني أريد المجيء إلى هناك برفقة بضعة أشخاص، دون أن أُفصح له عن هويتهم. فقال لي إنه سيأتي لملاقاتنا في مكان محدد. وفي الساعة السابعة صباحاً انطلقنا في طريقنا.

كان الخندق يحيط بالقلعة من كل جانب، وللوصول إليها كانوا قد حفروا نفقاً من تحت هذا الخندق يخرج داخل أحد المنازل.

والصور المتداولة للحاج في النفق تعود لتلك اللحظات بالذات. عبرنا النفق، وتفقّد الحاج القلعة ثم قفلنا عائدين. وهناك، تنبّأ الحاج قائلاً: «خلال يومين أو ثلاثة أيام مقبلة، ستتحرر حلب». فقلتُ له بدهشة واستغراب: «لكن نصف المدينة لا يزال قيد الاحتلال!»؛ غير أن حلب تحررت بالكامل علی أيدينا بعد بضعة أيام تماماً كما قال. ليس القصد هنا القول بأنه كان يعلم الغيب، بل إنه كان يتفقد الميدان بأدق التفاصيل، وبناءً على المعطيات الميدانية الدقيقة وقدرته التحليلية الفائقة كان يستشرف الأحداث ويتنبأ بها، وكانت توقعاته تصيب في معظم الأوقات.

وبطبيعة الحال، وكما أسلفت، كان إخلاص الحاج وعِرفانه على نحوٍ جعلني على يقين تام بأن عناية الباري تعالى كانت تسانده وتلهمه؛ ولهذا السبب بالذات تجدون في مذكراته ووصاياه قوله: (ينبغي للمرء أن يعمل بطريقة لا يرى فيها إلا الله، وحينئذٍ يُكتب له التوفيق)

إن سُئلتُ عن رأيي، لقلتُ إن هذه الأمور كانت إلهاماً يفيض على قلب الحاج، ولكن إن أردتُ الحديث بلغة مادية صرفة تجنباً لشبهة التقديس، لقلتُ إنها كانت ثمرة خبرة متراكمة ومعرفة دقيقة واستثنائية بالميدان.

كان يبذل قصارى جهده لتقليل الخسائر في صفوف الأبرياء 

ولكن كما ذكرتُ سابقاً، لم يكن الحاج قاسم مجرد قائد ميداني فحسب، بل كان يجمع بين الميدان والدبلوماسية والسياسة الدولية في آنٍ واحد. ففي الوقت الذي كان يقاتل فيه في الميدان، كان يتحرك في الفضاء السياسي ويمهّد لمسار مفاوضات أستانا؛ إذ كان يولي أهمية قصوى لعدم إزهاق أرواح الأبرياء، والمضي قدماً في كل ما يمكن إنجازه عبر الحوار.

ولهذا السبب، فبينما كان يقاتل تنظيم داعش مثلاً، كان يسعى في الوقت نفسه إلى حل الخلافات بين الحكومة والمسلحين عبر المسارات السياسية كمسار أستانا، وشهدنا كيف أفضى ذلك إلى استسلام الكثيرين وعودتهم إلى الحياة الطبيعية. كل هذا تحقق بفضل تلك التفاهمات التي حرص الحاج على إبرامها مع دول أخرى كتركيا، والتي لولاها لسقطت أعداد أكبر بكثير من الضحايا الأبرياء.
لقد تجاوز الحاج قاسم كونه قائداً عسكرياً؛ بل كان صاحب ومؤسس مدرسة فكرية ومنهج. وإن تأكيد سماحة السيد القائد على مصطلح «مدرسة سليماني» نابعٌ من حقيقة أن هذا المنهج والمدرسة لا تفنى أبداً. لقد كان الحاج قاسم مبتكر مدرسة المقاومة؛ ومصداق ذلك ما نراه اليوم جلياً في غزة: فحين تتعرض غزة للخطر، يهبّ سائر أطراف محور المقاومة لنصرتها دونما حاجة إلى تنسيق ميداني مباشر، قادمين من مسافات تبعد آلاف الكيلومترات. وهذا يعني ولادة مدرسة تقف الدول الإمبريالية أمامها حائرة لا تدري كيف تتعامل معها، وهي مدرسة غير قابلة للزوال.

إن تحوّل إيران اليوم إلى قوة عظمى ليس مرده إلى السلاح والعتاد فحسب؛ فهل بقي لأمريكا تلك الهيبة السابقة رغم كل ما تمتلكه من ترسانة عسكرية متطورة؟

س : هل تذكر أي شهادة كانت الأشد ألماً وتأثيراً في نفسه مقارنة بالآخرين؟

ج : كان الحاج قاسم قائداً عسكرياً يخوض غمار الحرب، وفي المعارك يسقط الشهداء والجرحى بطبيعة الحال. غير أن الحاج قاسم كان يتألم ويتأثر من أعماقه لاستشهاد كل فرد بمفرده؛ حتى أولئك المقاتلين الذين ربما لم يرهم سوى مرة واحدة طيلة حياته. لم يكن استشهاد أي فرد ليصبح أمراً عادياً أو مألوفاً لديه قط.

في كل مرة، كان الأمر يبدو كأنه يتلقى نبأ الشهادة للمرة الأولى؛ فقد كان استشهاد الكثير من الشباب يؤلم الحاج ويؤرقه بعمق؛ كأمثال الشهيد سيد شفيع، والشهيد عمار، وحسين بادبا، ومصطفى صدرزاده، وحسين قمي. ورغم حداثة سنّ بعض هؤلاء، إلا أنهم كانوا قادةً أكفاء ومقتدرين.

قد يظن بعض ذوي الخبرة القدامى أنه لا ينبغي الاعتماد إلا على القيادات المجربة، غير أن الحاج قاسم عوّل كثيراً على جيل الشباب؛ إذ كانوا قادةً يعملون جنباً إلى جنب مع القوى الحركية والنهضوية، متسلحين باندفاع وحافزية عالية، وكان الحاج يبادلهم حباً بحب.

وكانت وصيته الدائمة لنا: كونوا كالأب والأم لعناصركم ومقاتليكم؛ فالأب والأم حين يخرج ولدهما من البيت يبذلان كل وسعهما ليكون طعامه مهيأً عند عودته، ويتفقدانه بالاتصال دوماً خشية أن يصيبه مكروه، وعند مغادرته يضعان زاداً في حقيبته، وإذا ما أصابه سقم لا يغمض لهما جفن حتى الصباح.. هكذا فلتكن معاملتكم لقواتكم.

وهكذا كان سلوكه هو أيضاً؛ فكلما وطئت قدماه الميدان، كان يبادرنا بالقول: «هيا بنا لنتفقد الشباب ونسلم عليهم»، فيجلس بينهم ويتبادل أطراف الحديث معهم؛ ولهذا السبب بالذات كانت تلك الثلة تحبه من اعماق قلوبها.


اللقاء الأخير بالحاج قاسم استمر ١٢ ساعة 

س : متى رأيتَ الحاج قاسم للمرة الأخيرة، وكيف علمتَ بنبأ استشهاده؟

ج : وصلتُ إليه صبيحة يوم الخميس (١٢ دي ١٣٩٨ هـ.ش / ٢ كانون الثاني ٢٠٢٠ م) برفقة عدد من الإخوة، وكانت مائدة الإفطار ممدودة. وقف الحاج أمام لوحة العمل، ودَوّن مهام ومسارات عمل تمتد لسنوات قادمة. وقد استمر اجتماعنا ذاك حتى الساعة السابعة مساء.ً

وبعد أداء الصلاة، اقترحتُ على الحاج قائلاً: «بما أننا أمضينا ساعات طويلة في هذا المكان، فالأفضل أن نغير موقعنا»، فوافقني الرأي.
وفي ظهيرة ذلك اليوم، أخذ الحاج إغفاءة يسيرة، وحين استيقظ كان في حالٍ وجدانية مختلفة تماماً؛ وكان يشعر ببرودة الطقس. رأيته يتمشى في الباحة الخارجية، فناداني قائلاً: «يا فلان! (بالاسم) إن هذا الدجاج والديوك تعاني من البرد، فجد لها حلاً يؤويها». فأجبته: سأخبر السيد بذلك

ربما لم أستوعب حينها ذلك التحول في حال الحاج، لكني أدركته تماماً بعد استشهاده

وعند المساء، حين همّ بالصعود إلى السيارة للمغادرة، تقدمتُ لوداعه وقبّلتُ وجهه، وكانت تلك المرة الوحيدة التي أقبل فيها وجه الحاج قاسم. انطلق في طريقه، وقفل كلّ منا عائداً إلى مقر استقراره.

وفي منتصف الليل، وتحديداً في حدود الساعة الواحدة، اتصل بي قائد المنطقة وقال: تواصل مع العراق واستطلع ما الخبر هناك؛ فقد وردت أنباء عن وقوع حادثة في المطار واستهداف سيارة، ونحن بصدد التحقق من الأمر.

وبعد بضع دقائق، عاودتُ الاتصال به، فقال: «الظاهر أن أبا مهدي المهندس قد استشهد». فسألته بلهفة: «وماذا عن الحاج؟»، فأجاب: ما زلنا نتحرى الأمر».

تواصلتُ مع قائد المنطقة وأخبرتُه: «هكذا ينقلون، غير أن حدسي يخبرني بأن الحاج قد استُشهد هو الآخر». فطلب مني القائد متابعة الأمر والتحقق منه؛ إلى أن وافانا النبأ اليقين والمؤكد. كانت تلك المرة الوحيدة التي تمنيتُ فيها من كل قلبي لو كنتُ مخطئاً.. كأننا كنا نأبى تصديق الخبر وتقبله.
وبعد ذلك، عندما فتحنا شاشات التلفاز، رأينا نبأ الاستشهاد يُبَثّ رسمياً
س : في الختام، لو علمتَ أن الحاج قاسم يسمع صوتك الآن، فما هي الجملة الموجزة التي تخاطبه بها؟

ج : آمل ألا يُحمَل كلامي على أنه من قبيل العبارات المكررة، لكني أقولها من أعماق فؤادي: أن تكون شفيعي في تلك الدار وتوصي بي خيراً؛ وأرجوك أن تأخذ بيدي عاجلاً وتلحقني بك

المصدر: تسنيم