انضمّ غلام رضا كرمي، الذي يشغل حالياً منصب رئيس مركز البحوث ونشر الآثار في لجنة إعادة إعمار العتبات المقدسة، إلى صفوف الحرس الثوري في كرمان عام 1979م (1358هـ.ش)؛ أي قبل عامٍ واحد من التحاق الحاج قاسم. غير أنّ معرفته بـ«قائد القلوب» بدأت عام 1981م (1360هـ.ش)، حين كان الحاج قاسم قائداً للواء «ثار الله»، وكان كرمي يتولى مسؤوليات في حرس محافظة كرمان.
وفيما يلي مقتطفات من حوار وكالة «فارس» مع غلام رضا كرمي حول الحاج قاسم سليماني:
س : السيد كرمي! كيف وأين بدأت معرفتكم بالقائد سليماني؟
ج : في شهر تموز/يوليو عام 1980م (تير 1359هـ.ش)، توليتُ قيادة الحرس الثوري في مدينة «رابُر»، وكان شقيقه الأكبر حينها قائداً في الحرس بالمدينة ذاتها، كما كان شقيقه الثاني يواصل دراسته، وتعرفتُ عليه لاحقاً في «رابر» أيضاً. كانت أسرة القائد سليماني تقطن في قرية «قناة مَلِك»، وهي إحدى قرى قضاء رابر. وبما أن أحد حراسنا كان من أهالي رابر، وكنتُ أنا قائداً للحرس هناك، فقد تهيأت أرضية التعرف على أسرته الكريمة حتى قبل أن نلتقي به شخصياً. واستمر الحال كذلك إلى أن تواصلتُ مع الحاج قاسم عام 1981م (1360هـ.ش) بحكم مسؤوليتي في حرس محافظة كرمان، حيث كان هو آنذاك قائداً للواء «ثار الله».
س : ما الذي دفعكم للانضمام إلى فرقة «ثار الله» التي كان يقودها الحاج قاسم؟
ج : في مطلع عام 1986م (أوائل 1365هـ.ش)، بذلتُ قصارى جهدي لإقناع قيادة الحرس بالموافقة على نقلي من المحافظة لألتحق بالفرقة في الجبهة. وسعيتُ عبر السيد شمخاني، الذي كان يتولى حينها منصب نائب القائد العام للحرس الثوري، لتعيين بديلٍ عني كقائدٍ لحرس محافظة كرمان حتى يتسنّى لي التوجه إلى الفرقة. وقد جرى هذا الأمر في كتمانٍ تام ودون علم القائد سليماني.
غير أنّ الحاج قاسم، وما إن عَلِم بالأمر، حتى اتصل بي وأبدى معارضةً شديدة، وفي نهاية المطاف فرض رفضه وحال دون انتقالي؛ إذ كان يرى أن غيابي سيُلحق ضرراً بجهود الإسناد والدعم. ومع ذلك، أثمرت متابعاتي وإصراري على الالتحاق بالفرقة أواخر عام 1986م (أواخر 1365هـ.ش)، فقال لي حينها:
ليس لديّ في الفرقة سوى مهمّةٍ واحدةٍ لك، وهي أن تكون نائباً لقائد الفرقة. ألححتُ عليه كثيراً ألّا يتمّ ذلك، وكانت لديّ بعض التحفظات والاعتبارات الخاصة، غير أنني قبلتُ في نهاية المطاف بدافع رغبتي الشديدة في التواجد بالفرقة، وتشرّفتُ بالخدمة نائباً له حتى نهاية الحرب.
س: بعد نهاية الحرب المفروضة، اندلعت اضطرابات أمنية في شرقيّ البلاد. وبالنظر إلى تواجدكم في فرقة «ثار الله» خلال تلك العمليات ومرافقتكم للحاج قاسم؛ حبّذا لو تحدّثوننا عن بعض ذكريات تلك الحقبة؟
ج : في عامي 1991 و1992م (1370 و1371هـ.ش)، بلغت الاضطرابات الأمنية في جنوب شرقيّ البلاد ذروتها؛ حيث شهدت محافظات كرمان، وسيّستان وبلوشستان، وجنوب خراسان حالةً حادّة من الانفلات الأمني. فعلى سبيل المثال، كانت قوافل الأشرار وقطّاع الطرق تتمركز في المرتفعات الجبلية لمدينة «بم»، أو يعبرون أراضي كرمان ليستقروا في مدينة «سيرجان» الواقعة على التخوم المشتركة بين محافظات كرمان وهرمزغان وفارس، بهدف توزيع المخدرات في هذه المحافظات الثلاث. في تلك الأيام، لم يكن أحدٌ يجرؤ على مواجهتهم، وكانت الاشتباكات تُسفر في كثيرٍ من الأحيان عن استشهاد عناصر من قوى الأمن الداخلي.
إثر ذلك، أُوكِلَت إلى القائد سليماني مهمة قيادة «مقر القدس» في جنوب شرقيّ البلاد، لإعادة الأمن والاستقرار إلى تلك الرقعة التي تشمل سيّستان وبلوشستان وكرمان وجنوب خراسان. وقد قبِل الحاج قاسم — بوصفه رجل الميدان — هذه المسؤولية؛ وبفضل ما كان يمتلكه من خبرة ثماني سنوات من الدفاع المقدس، فضلاً عن فطنته، وحنكته الإدارية، وتدبيره، وما اتصف به من هيبة واقتدار، شرع في العمل وبدأ باستطلاع المناطق الموبوءة ورسم الخطط العملياتية لدحر الأشرار والقضاء عليهم. وفي كلّ عمليةٍ كان يقودها الحاج قاسم، كنتُ أتولى متابعة الأمور بصفتي الرجل الثاني في فرقة «ثار الله»، بينما كان بقية الزملاء من الوحدات الأخرى يعملون تحت إمرته وقيادته.
وكانت إحدى عمليات التطهير تلك قد جرت في جنوب محافظة كرمان؛ إذ كانت مدينة «كهنوج» تضم قبائل شتى، وكان لكل قبيلة زمرة مسلحة متورطة في عمليات الاختطاف واحتجاز الرهائن، والنزاعات المسلحة، وتجارة المخدرات وترويجها. ومن بين الإجراءات البارزة التي نفّذها القائد سليماني، تلك التي استهدفت منطقةً تقع بين كهنوج وإيرانشهر في قرية مجاورة للجبل؛ حيث كان أحد عتاة الأشرار وأخطرهم في المنطقة، ويُدعى «عيدوك بامري» — والذي قد يصل عدد من استشهدوا على يديه إلى أكثر من مئة شخص — قد اتخذ من تلك النواحي ملاذاً آمناً لنشر الرعب وزعزعة الاستقرار، ثم امتد شرّه إلى كهنوج. فعقد القائد سليماني العزم على إعادة الأمن، بادئاً بالعمليات في جنوب المحافظة، وكانت خطة بالغة التعقيد.
تَحَرَّكَتْ [فرقة مشاة] من إيرانشهر، بينما انطلقت قوة قتالية أخرى من جهة جيرفت. كما استقلّ الحاج قاسم مروحيةً مصطحباً معه بضعة أفراد وتمركز في تلك المنطقة. ونظراً للطبيعة الجبلية الوعرة، كانت العملية غايةً في التعقيد، لكنها تكللت بالنجاح التام؛ حيث قُتل عددٌ من الأشرار وأُلقي القبض على آخرين.
وكان أبرز تدبيرٍ اتخذه القائد سليماني في هذه العملية هو إجلاء جميع أهالي تلك القرية ونقلهم إلى منطقة أخرى وإخلاؤها بالكامل؛ ولا يخفى أن تهجير قرية بأكملها ليس بالأمر الهيّن. ولهذا السبب تحديداً، أحدث هذا الحدث وذلك القرار الحكيم دوياً كالقنبلة في محافظتي كرمان وسيّستان وبلوشستان، وبثّ رعباً وذعراً شديدين في نفوس جميع شبكات الإجرام في المنطقة، حتى غدا حديث الخاص والعام.
وفي جنوب محافظة كرمان، لاسيما في قضاءَي كهنوج وجيرفت، كان لدى كثير من القبائل عناصر خارجة عن القانون، وكان شيوخ العشائر يتحججون بعجزهم عن كبح جماح هؤلاء الأشرار. وفي عام 1993 أو 1994م (1372 أو 1373هـ.ش)، جمع الحاج قاسم زعماء القبائل وشيوخها في مقر قائممقامية جيرفت، وخاطبهم قائلاً: لا يُعقل أن تكونوا زعماء لعشائركم وتستفيدوا من خدمات القائممقامية، ودوائر التربية والتعليم، وإدارة الطرق، وسائر إمكانات الجمهورية الإسلامية، ثم إذا وصل الأمر إلى هؤلاء الأشرار تدّعون العجز عن ردعهم! هذا أمرٌ غير مقبول البتة. أمنحكم مهلة أمدها عشرة أيام لتُسلّموا جميع الخارجين عن القانون من عشائركم؛ يجب أن ينزلوا من الجبال، ويُسلّموا أسلحتهم، ويخضعوا لنظام الجمهورية الإسلامية. لا بدّ أن ينتهي هذا الانفلات الأمني تماماً، وإلا فسأعاملكم بالمثل كما فعلتُ مع قبيلة عيدوك، وسأقطع عنكم كافة خدمات الجمهورية الإسلامية من ماءٍ وكهرباء وأي تسهيلات أخرى.
وكان الحاج قاسم على درجةٍ عالية من الحزم والاقتدار، بحيث بادرت كافة القبائل، خلال المهلة المحددة، إلى تسليم عناصرها المسلحة، وبلغ عددهم مئات الأفراد. وكان هؤلاء ينزلون من الجبال وأسلحتهم مرفوعة فوق رؤوسهم، معلنين استسلامهم للقائد سليماني. وحسبما أذكر، لم يتباطأ في الاستسلام سوى فصيل واحد من أشرار منطقة كهنوج، فنفّذ الحاج قاسم بحقهم ما توعّد به وقطع عنهم كافة الخدمات والإمكانات حتى اضطروا هم أيضاً إلى الاستسلام، واستتبّ الأمن والهدوء في جنوب المحافظة على هذا النحو.
وكان القائد سليماني يرفع تقارير دورية ومباشرة عن كل خطوة يقوم بها إلى سماحة القائد [الإمام الخامنئي]. وأذكر أنه في إحدى الفترات التي كان مقرراً فيها إقامة مؤتمر لتكريم الشهيد باهنر في كرمان، توجهنا بصفتنا أعضاء اللجنة المنظمة للمؤتمر برفقه
. مسؤولي كرمان للقاء سماحة القائد . وفي تلك المناسبة، قال قائد الثورة المعظم مخاطباً الحاج قاسم: «انک ، يا سيد سليماني، شهيدٌ حيّ»، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على عمق معرفة سماحته بالقائد سليماني.
س : في الذكريات التي يرويها الحاج قاسم أيضاً، يشير إلى أنكم رفضتم قبوله عندما كنتم مسؤولاً عن لجان القبول في الحرس الثوري. فما هي تفاصيل هذه القصة؟
ج : حينما كان الحاج قاسم يرغب في ممازحتي، كان يروي هذه القصة التي تعود إلى أواخر عام 1979م أو مطلع عام 1980م (أواخر 1358 أو أوائل 1359هـ.ش)، ولستُ أذكر التفاصيل الدقيقة بدقة، غير أن الحاج قاسم كان يتذكرها بوضوحٍ أكبر. فقد جاء حينها شاباً بشعرٍ مُجعّد، وقميصٍ ضيّقٍ ذي أكمام قصيرة، وسروالٍ فضفاض عريض الحاشية مع حزامٍ عريض، للتطوع والقبول في الحرس. فقلتُ في نفسي: ما بال أمثال هؤلاء ينخرطون في صفوف الحرس؟! وعلى أية حال، وسواءٌ كنتُ أنا من رفض قبوله أم لا، فإن المهم هو أن الحاج قاسم التحق بالحرس الثوري وخلّد مآثر وانتصارات مجيدة. وكان كلما استرجع هذه الرواية، لا يشغل بالي شيء سوى ابتسامته؛ إذ كانت تعلو شفتيه ابتسامة آسرة تفيض دفئاً، وتلك كانت وحدها غاية ما أرجوه.
س : كان القائد سليماني يولي اهتماماً خاصاً لولاية الفقيه المطلقة، ولم يكن يسلك مسلكاً حزبياً أو ينحاز إلى تيارٍ سياسي بعينه. كيف تقيّمون طبيعة علاقته بسماحة القائد؟
ج : من بين نحو أربعين عاماً قضاها الحاج قاسم في خدمة مسيرة الثورة، لم يمضِ سوى عشر سنوات في عهد الإمام الراحل (ره)، وهي حقيقة قلّما يُلتفت إليها؛ في حين أمضى قرابة ثلاثين عاماً في عهد قيادة قائد الثورة المعظم، وكانت مهامه ومسؤولياته في هذه الفترة بتعيينٍ مباشر من سماحته، ومنها 22 عاماً قضاها قائداً لفيلق القدس.
وفي تقديري، فإن معظم الطاقة المعنوية والدروس الحكيمة التي تجلّت في سلوكه إنما استقاها مباشرةً من سماحة القائد. لقد كان عشقه لقائد الثورة المعظم جلياً لا لبس فيه، وكذلك كانت محبة القائد له واضحةً للعيان. ولم أرَ قط في حياتي أحداً حين يلتقيه القائد، يقبّله بمثل هذا العشق في جبينه ووجهه، ويضم يده إلى عنقه بحرارة.
إنني أرى أن الحاج قاسم، بكل ما تحلّى به من خصالٍ فريدة، يتميز بميزةٍ كبرى تفوق كل ما عداها: وهي أنه عاش ثلاثين عاماً جندياً مخلصاً في خدمة ولي أمر المسلمين، وتعلّم منه الشيء الكثير. وكلّ من يبتغي بلوغ المجد والمكانة العالية، لا بدّ له من أن يسلك هذا الدرب.
وفي حديثه عن التيارين "الأصولي" و"الإصلاحي"، أكّد أنه ينبغي على المرء لتقييم نفسه ومدى قربه من أصول الثورة وقيمها، أن يلحظ المسافة الفاصلة بينه وبين الولي الفقيه. ومن بين الوصايا التي كان يُذكّر بها المجاهدين قوله: «عليكم أن تنظروا كيف هي علاقتكم بالولي الفقيه؛ فإنكم يوم القيامة ستُسألون عن علاقتكم بشخص الولي الفقيه.
ظلّ الحاج قاسم ثابتاً على عقيدته ومبادئه حتى آخر رمق من حياته، وجسّد ذلك عملياً في أرض الواقع. فحين وجّه مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية رسالةً لتسليمها إليه شخصياً، امتنع الحاج قاسم عن استلامها، مُلحقاً بهذا الموقف إذلالاً بالغاً بمدير الوكالة.
وكان الحاج قاسم يؤكد دوماً أن العدو لا يمكن بحالٍ أن يكون في موضعٍ يسمح لنا بإقامة علاقة معه؛ لقد كانت مواقف الحاج واضحةً غاية الوضوح فی هذا الصدد. وحول الادعاء القائل بإمكانية حسم كل الملفات عبر الدبلوماسية والتفاوض، كان يرى أنه لو صحّ ذلك، فلماذا خاض أمير المؤمنين [علي بن أبي طالب عليه السلام] الحروب ضد الأعداء في بعض المواقف وهو رائد السياسة والدهاء؟! فالأمر ليس على نحو ما يُقال من إمكانية إقامة علاقات ودية مع الأعداء؛ إذ إن الولايات المتحدة لا تتخلى عن موقفها وعدائها البتة. وبناءً على ذلك، لا بد أن تكون بصيرتنا بمعرفة العدو راسخة وقوية، وكان الحاج قاسم بحد ذاته أنموذجاً رائداً في معرفة العدو واستشراف نواياه.
لقد شدّد سماحة الإمام الراحل (ره) في ندائه الأخير الموجه إلى العالم وشباب الإسلام على أنكم "تعبئة شباب الإسلام" (بسيج شباب الإسلام). وإنني على يقين بأن الحاج قاسم كان ممن طبّقوا وصية الإمام وأمره عملياً؛ إذ جسّد مفهوم تعبئة العالم الإسلامي على أرض الواقع من خلال تشكيلات: الفاطميون، وحزب الله، والحشد الشعبي، وسائر القوى... إن السمات الفردية والشخصية لهذا الرجل العظيم هي مدرسةٌ قائمةٌ بذاتها. وإذا ما أردنا أن نسير على خطى قاسم سليماني، فعلينا أن نسعى بجدٍ، وعلى قدر استطاعتنا، لترسيخ ولو صفةٍ واحدة من صفاته في نفوسنا.
س : كيف تلقيتم نبأ استشهاد القائد سليماني؟
ج : كنتُ في أحد المساجد قرب جسر الإدارة (بُل مديريّت)، وهو مسجد الشهيد چمران، لأداء صلاة الصبح. وبينما كنا نتلو زيارة عاشوراء، وردتني رسالةٌ عبر وسائل الإعلام تفيد باستشهاد الحاج قاسم. قفلتُ راجعاً إلى المنزل مسرعاً، وشاهدتُ التلفاز حيث كان يبثّ نبأ استشهاده. اتصلتُ فوراً باللواء عسكري، القائد الأسبق لفيلق القدس، فتبيّن أنه تلقى النبأ للتو. وبعد ذلك، توجهتُ برفقة زوجتي واللواء عسكري إلى منزل الحاج قاسم. وتوجّهنا إلى كرمان للمشاركة في مراسم تشييع جثمان الحاج قاسم برفقة السيد قاليباف، الذي كان صديقاً حميماً للقائد الشهيد. كان السيد قاليباف من المقربين جداً للحاج قاسم، وكان الحاج قد سلّمه بنفسه بعض اللوازم كالكَفَن وتُربة وقطعة من حجاره حرم الإمام الحسين (عليه السلام) ، وهي الأشياء التي كان الشهید قد اوصی أن تُدفن معه في قبره.
س : كيف مرّ اللقاء الأخير الذي جمعكم بالحاج قاسم؟
ج : تحدّثنا هاتفياً قبل استشهاده ببضعة أشهر، ثم تشرّفتُ بلقائه شخصياً لمتابعة الأمور بتفصيلٍ أكبر. تداولنا حينها في شؤون العمل و«لجنة إعادة إعمار العتبات المقدسة»، وكانت معظم توجيهاته وملاحظاته تتركّز على رعاية العمل في اللجنة ودعمه؛ خشية أن تعترض مسيرةَ توسعة المراقد المقدسة وتطويرها أيُّ عقبةٍ أو خلل.
س : كلمةٌ توجّهونها للحاج قاسم؟
.«حاج قاسم! لقد اشتدّ بنا الشوق إليك كثيراً... خُذ بأيدينا في هذه الدنيا وفي الدار الآخرة»ج :
شريط مصور: قصة رفض أهلية الحاج قاسم في لجان القبول بالحرس بلسانه
أبو جاسم القريشي البلداوي
قائد الفوج الخامس في اللواء الثاني لمنظمة بدر
.«لقد كنّا من تلامذة مدرستكم، وستظلّ هذه المدرسة عامرةً ومستمرة، وسنبقى — بإذن الله تعالى — شوكةً في عيون الأعداء كافّة»
الحاج قاسم سليماني كان ثابتاً وراسخاً في نجدة الشعوب وإنقاذها
أكّد أحد القادة البارزين في الحشد الشعبي العراقي، ورفيق درب الشهيد الحاج قاسم سليماني في مقارعة الإرهاب بالعراق، على الدور المحوري للقائدَين الشهيدين سليماني والمهندس بوصفهما بطلين لتحرير العراق من دنس الإرهاب التكفيري وتحقيق النصر المؤزّر على أشرس أعداء الإنسانية المتمثل في تنظيم داعش الإرهابي.
وأوضح «أبو جاسم القريشي البلداوي»، قائد الفوج الخامس في اللواء الثاني لمنظمة بدر، أن الشهيد الحاج قاسم سليماني والشهيد أبو مهدي المهندس أدّيا دوراً بالغ الأهمية وبارزاً في دحر تنظيم داعش الإرهابي.
وكان أبو جاسم قائداً لمحور «بلد» في محافظة صلاح الدين، حيث قاتل جنباً إلى جنب مع قادة النصر العظام، الشهيد الحاج قاسم سليماني والشهيد أبو مهدي المهندس، في معارك محافظة صلاح الدين الممتدة من سامراء وصولاً إلى بلد والدجيل، ضد الجماعات الإرهابية والتكفيرية.
وقال: «كان الشهيدان سليماني والمهندس يعتقدان جازمين بأن المهارات والقدرات لا ينبغي أن تنحصر في الجوانب العسكرية الصرفة، بل لا بد أن تقترن في الوقت ذاته بـ "صناعة الإنسان"؛ ولهذا السبب كانا يوليان اهتماماً بالغاً للتربية الأخلاقية والقيم الإنسانية. إن جوهر معركتنا ضد تنظيم داعش كان في حقيقته صراعاً بين الإيمان والإرادة.
وفي سياق حديثه لمراسل وكالة «تسنيم» في بغداد، استعرض هذا القائد في الحشد الشعبي الأبعاد المحورية لدور الشهيد سليماني في تشكيل الحشد الشعبي، وخوض المعركة الشاملة ضد الإرهابيين التكفيريين، وصناعة النصر المؤزر على مرتزقة المحور «الأمريكي – الصهيوني – الرجعي العربي.
وأضاف: «لقد انطلق جهادنا ضد تنظيم داعش الإرهابي استجابةً للفتوى المباركة للمرجع الديني الأعلى آية الله العظمى السيد علي السيستاني؛ وفي هذا الخضم، أدى بطلا التحرير، الحاج قاسم سليماني والحاج أبو مهدي المهندس، دوراً استثنائياً وبارزاً في تحقيق النصر على أعتى عدو غاشم وأكثره وحشية، أي تنظيم داعش الإرهابي. ولم يقتصر حضورهما وتأثيرهما على العمليات العسكرية الممتدة من الشمال إلى الجنوب والغرب، بل شمل أيضاً جهود الإغاثة والمبادرات الإنسانية. وخلاصة القول: إنهما كانا حاضرين في كل الميادين؛ في عمليات التحرير، وفي قلب المعارك، وفي إجلاء المدنيين ونقلهم من مناطق الاشتباك... لقد اتخذ هذان البطلان المجاهدان، شأنهما شأن قادة جيش الإسلام، من شعار سيد الشهداء (عليه السلام): «هيهات منّا الذلّة»، نبراساً ومنهاجاً لحياتهما.
وعلى وجه التحديد، كان القائدان يتابعان بدقة بالغة الدورات التدريبية للمتطوعين لقتال داعش، حرصاً على إكسابهم الكفاءة اللازمة لخوض غمار الميدان؛ غير أنهما كانا يريان أن التدريب لا يكتمل بمجرد المهارات العسكرية، بل يجب أن يواكبه "بناء الإنسان وتزكيته"، ولذا كانا يركزان بشدة على المبادئ الأخلاقية والإنسانية.
وفي هذا الإطار، قُدِّمت للمقاتلين تعاليم وافية حول كيفية التعامل مع الأهالي، ورفاق السلاح، والمجاهدين، وحتى مع الأعداء. فعلى سبيل المثال، كان من أبرز التوجيهات كيفية تعامل قواتنا مع العدو؛ ففي ساحة المعركة كنا نحمل السلاح ونقاتل ببسالة، لكن خارج الميدان (كما في حالات الأسر) كان لزاماً علينا التعامل بسلوكٍ مختلف تماماً. ومن منظورهما، فإن أمضى سلاحٍ وأكثره فاعلية في المعركة هو "الإيمان"؛ فالإيمان هو الذي يقود البشر إلى النصر، وكانت طبيعة حربنا ضد داعش معركة إيمان وإرادة.
كما كان قادتنا يشددون دوماً على هذا المعنى؛ ففي الرؤية الإيمانية، يُعدّ "الاستشهاد" أسمى مراتب النصر والظفر. وكان هذان القائدان العظيمان يتطلعان حقاً إلى نيل شرف الشهادة، ولا يخالجنّ أحداً شكٌّ في أن اللبنة الأساسية لتأسيس الحشد الشعبي وركيزته الأولى كانت روح التضحية والاستشهاد هذه. لقد كان لهذين القائدين الفذين دورٌ منقطع النظير في إرساء دعائم هيئة الحشد الشعبي؛ إذ جمعا بين القيادة العليا والتخطيط العسكري الرفيع من جهة، والقيادة الميدانية المباشرة والتواجد في خطوط المواجهة الأمامية من جهة أخرى، ونحن عاقدون العزم على مواصلة دربهما.
لقد كان أخينا الحاج قاسم سليماني بمثابة الأب الروحي لجميع مجاهدي الحشد الشعبي الذين شاركوا في معارك التحرير ضد إرهابيي داعش؛ كما كان يتعامل بعطفٍ أبويّ وحرصٍ بالغ مع سائر أبناء الشعب. ومن أبرز سمات شخصية الحاج قاسم أنه لم يكن يفرق قط بين الناس؛ فلم تكن التيارات والانتماءات تعنيه في شيء، بل كان يتعامل مع جميع المجاهدين بروح التعاون، والأخوّة، والمحبة الأبوية الصادقة.
وكان يشدّد على الأخلاق وينتهج السلوك الإنساني القويم. كما كان الحاج قاسم يولي تأكيداً خاصاً لمراعاة حُسن الخُلق حتى في مواجهة الأعداء؛ ففي كثير من الأحيان، وأثناء عمليات التحرير، كنا نصل إلى مناطق لا تزال تتواجد فيها عائلات الأعداء، فكان يشدد على ضرورة التعامل معهم بمنتهى الإنسانية والرحمة. ولم يكن هذا التعامل الإنساني يعني اعتبارهم أسرى حرب؛ فالطفل أو المرأة المتواجدان في تلك المنطقة لم يكونا مقاتلين عسكريين ليُعدّا في عداد "الأسرى"، بل كان يؤكد على وجوب إبعادهم وتأمينهم خارج نطاق العمليات القتالية. لقد بذل قصارى جهده لترسيخ هذا المبدأ ليكون "السلوك الإنساني" هو السمة البارزة والشاخصة في سلوك مجاهدينا.
لقد كان الحاج قاسم — بكل ما تحمله الكلمة من معنى — قائدنا، وبطلنا، ومجاهدنا، وعزيزنا. فسلام الله ورحمته على سليماني وعلى رفيق دربه وخندقه، أخينا الشهيد أبو مهدي المهندس؛ اللذين كانا شهيدين مجاهدَين وبطلين لأمتنا.
لقد كان الحاج قاسم سليماني معلماً، وقائداً، وأباً روحياً للحشد الشعبي، وكان بحق تجسيداً حقيقياً لمعنى "الإنسان". لقد تجلّت أخلاق أهل البيت (عليهم السلام) وتأصلت في كامل سلوكه وتصرفاته؛ فتعامله مع المجاهدين، ومع عامة المسلمين الذين كنا نلتقي بهم طوال العمليات، كان مستلهماً ومقتبساً من السيرة العطرة لأهل البيت (عليهم السلام)، بل وحتى في تعامله مع الأعداء كان ينتهج هذا المسلك ذاته.
ولم يكن نشاطه مقتصراً على الساحة العراقية فحسب، بل كان قائد محور المقاومة في شتى بقاع الأرض التي يطالها الظلم والجور، ساعياً بكل عزيمة لتشكيل قوى المقاومة ومدّها بالدعم والإسناد. ورغم انشغالاته ومسؤولياته الجسام، كان سبّاقاً وثابتاً في نجدة شعبنا وإنقاذه. لقد كان قائداً لنا، وسيبقى كذلك؛ وستظل ذكراه خالدةً تنبض في قلوبنا. نحن نحبه من أعماق قلوبنا، وستبقى ذكرى قادة النصر، الحاج أبو مهدي المهندس والحاج قاسم سليماني، حيةً في ضمائرنا. فعليهم سلام الله ورضوانه ورحمته وبركاته، وشكراً لكم.
فیلم ماجرای رد صلاحیت حاج قاسم در گزینش سپاه از زبان خودش