قائد الفوج الخامس في اللواء الثاني – فيلق بدر
«لقد كنّا من تلامذة نهجكم، وهذا النهج ما زال قائمًا مستمرًا، وبإذن الله سنظلّ شوكةً في عيون الأعداء جميعًا»
حاج قاسم سليماني.. سبّاقٌ ورائدٌ في إنقاذ الشعوب.
أكّد أحد كبار قادة الحشد الشعبي في العراق، ورفيق درب الشهيد الحاج قاسم سليماني في مواجهة الإرهاب على الأراضي العراقية، على الدور البارز والمحوري لشهداء التحرير —سليماني والمهندس— بوصفهما أبطال تطهير العراق من دنس الإرهاب التكفيري وتحقيق النصر على أعتى الأعداء وأشدهم قسوة، والمتمثل في تنظيم داعش.
ونوّه «أبو جاسم القريشي البلداوي»، قائد الفوج الخامس في اللواء الثاني التابع لمنظمة بدر، بالدور المصيري والمشهود الذي اضطلع به الشهيدان، الحاج قاسم سليماني والشهيد أبو مهدي المهندس، في دحر عصابات داعش الإرهابية والانتصار عليها.
وكان «أبو جاسم» قائداً لمحور «بلد» في محافظة صلاح الدين، حيث خاض —إلى جانب كبار قادة النصر؛ الشهيد قاسم سليماني والحاج أبو مهدي المهندس— معارك ضارية في المحافظة، امتدت من سامراء وصولاً إلى بلد والدجيل، ضد الجماعات الإرهابية والتكفيرية.
وقال موضّحاً: «كان الشهيدان سليماني والمهندس يؤمنان بأن اكتساب المهارات لا ينبغي أن ينحصر في التدريب والتأهيل العسكري فحسب، بل لا بد أن يقترن بالتوازي مع عملية "بناء الإنسان" وصقله؛ ومن هذا المنطلق كانا يشددان بالغ التأكيد على التعاليم الأخلاقية والقيم الإنسانية، إذ كانت طبيعة معركتنا ضد داعش هي في جوهرها معركة إيمان وإرادة. »
وفي حديثه مع مراسل وكالة تسنيم في بغداد، تناول هذا القائد في الحشد الشعبي الأبعاد الجوهرية لدور الشهيد سليماني في تأسيس الحشد الشعبي وخوض معركة شاملة لا هوادة فيها ضد الإرهابيين التكفيريين، وتحقيق انتصار مؤزر على أدوات ومرتزقة المحور الأمريكي-الصهيوني والرجعية العربية.
وأضاف: «لقد انطلق جهادنا ضد تنظيم داعش الإرهابي في واقع الأمر استجابةً للفتوى المباركة للمرجع الديني الأعلى سماحة آية الله العظمى السيد علي السيستاني. وفي خضم هذه المسيرة، برز الدور الاستثنائي والمحوري لأبطال التحرير، الحاج قاسم سليماني والحاج أبو مهدي المهندس، في حسم النصر على أشد الأعداء ضراوة وأكثر الغزاة بغضاً (داعش). ففي سائر العمليات الممتدة من شمال العراق إلى جنوبه وغربه، كان حضورهما بارزاً ومؤثراً للغاية، ولم يقتصر ذلك على الجانب العملياتي والعسكري فحسب، بل تجلّى أيضاً في ميادين إغاثة الأهالي والمبادرات الإنسانية التي حظيت باهتمام خاص وعناية فائقة من هذين القائدين الشهيدين. وخلاصة القول، إنهما كانا حاضرين دوماً في ميادين التحرير، وأتون المعارك، وعمليات إجلاء المدنيين من مناطق الاشتباك، شأنهما شأن القادة المجاهدين في صدر الإسلام، متخذين من نداء سيد الشهداء (عليه السلام): "هيهات منّا الذلّة" منهاجاً ودستوراً لحياتهما. »
وتابع قائلاً: «وعلى وجه التحديد، كان القائدان يوليان في مستهل الأمر اهتماماً فائقاً بالدورات التدريبية لتمكين المتطوعين للجهاد ضد داعش من امتلاك الكفاءة والمهارة القتالية اللازمة لخوض ساحات المعارك. غير أنهما، ومن منطلق رؤيتهما الثاقبة، كانا يريان أن المهارات لا تقف عند حدود الإعداد العسكري، بل يجب أن تتكامل مع مسار "صناعة الإنسان"؛ وعليه، كان التركيز ينصبّ بعمق على المبادئ الأخلاقية والفضائل الإنسانية. وفي هذا السياق، قُدِّمت للمقاتلين توجيهات وإرشادات وافية بشأن قواعد السلوك في التعامل مع الناس، ورفاق السلاح، بل وحتى في مواجهة الأعداء. ومن أبرز تلك الدروس والتعليمات كيفية التعامل مع العدو في ساحة المعركة؛ فنحن وإن كنا نحمل السلاح ونقاتل في خضم المعمعة، إلا أن السلوك خارج نطاق المواجهة المباشرة (كحالة الأسر مثلاً) كان ينبغي أن يكون مغايراً تماماً ويحتكم إلى ضوابط أخرى. ففي منظورهما، كان "الإيمان" هو أمضى الأسلحة وأشدها فاعلية وقوة في ساحة النزال، إذ إن الإيمان هو ما يسمو بالإنسان ويقوده إلى النصر، وكانت معركتنا في مواجهة داعش معركة عقيدة وإيمان وإرادة بالدرجة الأولى.
وکان قادتنا يُؤكّدون على المفهوم ذاته: ألا وهو الإيمان. ففي الرؤية الإيمانية، يُمثّل "الظَّفَر بالشَّهادة" أسمى درجات النصر، وكان هذان العَلَمان يتوقان إلى الشهادة بحقّ ويصبوان إليها. ولا يمتري أحدٌ في أنّ البُنية التأسيسية للحشد الشعبي وركيزته الأولى قد قامت على هذه الرغبة الصادقة في التضحية وطلب الشهادة. كما كان لهذين القائدين دورٌ فريد لا يُضاهى في إرساء أركان منظومة الحشد الشعبي؛ إذ جمعا بين كونهما من كبار القادة وأصحاب الرتب الرفيعة الذين اضطلعوا بالمهام القيادية وهيئة الأركان على أكمل وجه، وبين حضورهما الميداني الفاعل ومشاركتهما في الخطوط الأمامية للمعارك، ونحن بدورنا ماضون على دربهما، مقتفون أثرهما. »
لقد كان أخونا الحاج قاسم سليماني أباً معنوياً لكافة مجاهدي الحشد الشعبي من المشاركين في معارك التحرير ضد إرهابيي داعش. كما كان يتعامل مع عامّة الناس بروحٍ ملؤها العطف الأبوي والشفقه الصادقه. ومن المزايا الجلية في شخصية الحاج قاسم أنه لم يكن يفرّق بين الناس قطّ، إذ لم تكن الانتماءات والتوجهات الفئوية لتُعنى لديه شيئاً، بل كان يدعم جميع المقاتلين بروح المؤازرة والأخوة ویغمرهم بالمشاعر الأبوية الصادقة.
وكان ينهج درب الأخلاق الإنسانية في مسلكه وتعامله، بل كان يؤكد تأكيداً بالغاً على مراعاة محاسن الأخلاق حتى مع الأعداء. وفي كثير من الأحيان، كنا حين نصل أثناء عمليات التحرير إلى مناطق لا تزال تتواجد فيها عائلات الأعداء، كان يُشدّد على ضرورة التعامل معهم بأقصى درجات الإنسانية؛ ولم يكن هذا التعامل الإنساني يُجيز اعتبارهم أسرى حرب بحال من الأحوال! فالمرأة أو الطفل المتواجد في تلك المناطق لم يكونا من الكوادر العسكرية ليُعَدّا "أسرى"، بل كان ينبغي إبعادهما عن ساحة القتال. وكان يبذل وسعه لترسيخ هذه الخصال الحسنه في نفوس المجاهدين لتكون "السلوكيات الإنسانية" صفه ملازمه لتصرفاتنا.
لقد كان الحاج قاسم قائداً بالمعنى الحقيقي للكلمة، ومجاهداً، وبطلاً، وعزيزاً على قلوبنا. فرحمة الله ورضوانه على سليماني ورفيق دربه في الخنادق، أخينا أبي مهدي المهندس؛ فكلاهما كانا شهيدي الجهاد وبطلي المعركة.
كان الحاج قاسم سليماني معلماً، وقائداً، وأباً روحياً للحشد الشعبي، وإنساناً بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ فقد تجلّت أخلاق أهل البيت (عليهم السلام) في سائر تصرفاته ومواقفه، وكانت سيرتهم العطرة هي النبراس الذي يستقي منه تعامله مع المجاهدين، ومع المسلمين الذين كان يلتقيهم إبّان العمليات، بل وحتى في طريقة تعاطيه مع الأعداء.
ولم يكن نشاطه مقتصراً على الساحة العراقية فحسب، بل كان قائد المقاومة في شتى البقاع والأصقاع التي يرزح أهلها تحت وطأة الظلم والجور، ساعياً بكل عزيمة إلى بناء قوى المقاومة وإسنادها. ورغم مشاغله الجسام ومسؤولياته العظام، كان سبّاقاً ورائداً في نجدة شعبنا وإنقاذه. لقد كان قائدنا وسيظل كذلك؛ وذكراه خالدة أبد الدهر في اعماق قلوبنا، نستحضر مآثره ونحفظ له بالغ الودّ والمحبة. طاب ذكر قائدي نصرنا، الحاج أبي مهدي المهندس والحاج قاسم سليماني، وتغمدهما الله بواسع رحمته وغفرانه؛ والحمد والشكر لله تعالى. »
أبو لواء البهادلي
أحد رفاق السلاح من العراق
روي عن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) أنه قال: "سلمانُ منّا أهلَ البيت"، مع كونه رجلاً فارسياً. واقتداءً بهذا الهدي النبوي الشريف، وبدافع المحبة العميقة التي نكنّها للحاج قاسم سليماني، فقد أطلقنا عليه: "سليماني منّا أهل العراق"
و«أبو لواء البهادلي»، من مواليد عام 1986 بمدينة العمارة في جنوب العراق، وقد ألّف حتى الآن كتباً ومؤلفاتٍ شتّى في التعريف بالشهيدين سليماني والمهندس، منها: كتاب «فاجعة المطار»، و**«سليماني منا أهل العراق»**، و**«شهيد الشهادة الثالثة»**، و«جمال الشهداء»**، و**«هندسة المقاومة».
ويشرح في هذا الحوار كيف رافق أبا مهدي بصفته مصوراً فوتوغرافياً وتلفزيونياً، ويذكر أنه أجرى مقابلات مع عشرين قائداً عراقياً مقرباً من الحاج قاسم من أجل تأليف كتاب «سليماني منا أهل العراق»، وقد استوحى اسم الكتاب من حديث نبي الإسلام (ص) حين قال: «سلمان منا أهل البيت».
كيف تعرّفتم على القائد أبي مهدي المهندس؟**
يُعدّ الحاج أبو مهدي من القادة البارزين في الحشد الشعبي، ومن الزعماء المعروفين في فصائل المقاومة الإسلامية والجهادية في العراق. وكنتُ على معرفة بجميع هؤلاء القادة، بمن فيهم: أبو مهدي، والحاج العامري، والأخ حميداوي، والشيخ قيس الخزعلي، والشيخ أكرم الكعبي. وفي عام 2011، كَلَّف أبو مهدي «مهند العقابي» بتنظيم دورة تدريبية مكثفة وخاصة لنا لإيفادنا إلى سوريا. وكان مهند آنذاك مديراً لقناة الغدير الفضائية في بغداد. كنتُ مصوراً فوتوغرافياً، وقبل خوضي غمار الكتابة كانت هوايتي التصوير، فاشتريتُ كاميرا وبدأت ألتقط الصور. ثم تقرر أن نعمل في وسائل الإعلام بصفة مراسلين حربيين، ولكن عندما ذهبنا إلى سوريا، قيل لنا إنه لم يُؤذَن لنا بالنشاط الإعلامي بعد، وتلا ذلك إغلاق مكتب الوسائل الإعلامية العسكرية في سوريا أيضا.
وعندما سقطت الموصل وصدرت فتوى الجهاد وتأسست هيئة الحشد الشعبي، التحقتُ بالحشد برفقة المقاتلين الذين كانوا في سوريا. وعمّت العراقَ موجةٌ عارمة، وربما سجّل نحو مليوني شخص أسماءهم في الأيام الأولى. كما توافد الإخوة الإيرانيون إلى العراق بصفتهم مستشارين ومدافعين عن الحرم. وكانت لحظة وصول الحاج قاسم متزامنةً تماماً مع لحظة سقوط الموصل؛ إذ وصل إلى مطار بغداد بعد ثلاث أو أربع ساعات من سقوطها، وكان الإخوة اللبنانيون حاضرين هناك أيضاً بصفة مستشارين.
اتصل بي مهند العقابي وقال: «تعال لنذهب معاً إلى أبي مهدي لتكون معه مرافقاً إعلامياً ومصوراً فوتوغرافياً وتلفزيونياً، وقد وقع الاختيار عليك لأننا على يقين بأن الصور لن تتسرب إلى أي مكان». وهكذا أصبحتُ رفيقاً للحاج أبي مهدي. لكن مهند قال لي: «إن أبا مهدي لا يحب أن يُصوَّر، وقد لا يفسح لك المجال لذلك، ولكن ابقَ معه والتقط له صوراً أيضا».
في الأيام الأولى، حين رآني الحاج وأنا ألتقط الصور، قال: «هل ترغب في البقاء معنا؟» فقلتُ: «نعم». فقال: «ألا تصاب بالتعب وينفد صبرك؟» فأجبته: «كلا». وكان أول توثيق مصور بعد عمليات تحرير سامراء، وبعد ذلك توجهنا إلى تكريت، وهناك سجّلتُ أول مقطع مصور للحاج أبي مهدي، ونُشر بوصفه «فيديو مسرباً». وبعد انتشار هذا المقطع، تيسّر لي الأمر كثيراً، وصرتُ أمارس التصوير الفوتوغرافي والتلفزيوني بالتزامن، ونُشرت الصور في كتاب «جمال الشهداء». وفي الواقع، «جمال» هو اسم الشهید أبي مهدي المهندس، والشهداء هم الذين عُرفت أسماؤهم وتحددت هوياتهم. يروي كتاب «جمال الشهداء» حياة الشهيد أبي مهدي المهندس التي كنتُ شاهداً على فصولها؛ إذ التقطتُ نحو 14 ألف صورة للشهيد أبي مهدي المهندس، وبالطبع ليست لكل صورة قصة، غير أنني دَوّنتُ كل صورة كانت وراءها قصة أو شرح خاص، وأتممتُ هذا الكتاب في 400 صفحة عن الحاج أبي مهدي خلال أربعة أشهر.
بما أنكم لازمتم أبا مهدي المهندس مدةً طويلة، فلو سألناكم: من هو هذا الشهيد، فماذا تجيبون؟
يَصعُب جداً أن يُعرَّف أبو مهدي المهندس في جملة واحدة، بل وحتى في كتاب؛ فهو جدير بموسوعة كاملة. وأنا على يقين بأن كل عام من أعوام حياته يستحق أن يُفرَد له كتاب مستقل. لقد كان مختلفاً عن سائر القادة، ولا أريد أن أبالغ، غير أنه كان حقاً من أولياء الله. لقد لمسنا كثيراً من هذه الخصال عن قرب؛ كان قائداً عسكرياً شجاعاً، وفي الوقت ذاته في غاية التواضع. وكان دائم التفقّد للشهداء؛ ففي جلساته مع القادة كان يسأل: «كم شهيداً قدمتم اليوم؟ وهذا الذي استُشهد اليوم، هل تم إبلاغ عائلته؟». وكان يستفسر من المسؤول الطبي عن أحوال الجرحى باستمرار، وأسّس مستشفى وأنفق من ماله الخاص على إنشائه.
في كتاب «سليماني منا أهل العراق» أوردتُ أن أحد الأطباء قال له: «لا جدوى اقتصادية من بناء مستشفى هنا»، فأجابه: «الجدوى الاقتصادية تكمن في إنقاذ جريح واحد، وهذا يكفي». وكان يقول: «إذا تطلّب الأمر، نبني المستشفى في ساحة العمليات مباشرة لكي يُنقل الجريح فوراً إلى المشفى، بدلاً من أن يقطع عشرات الكيلومترات»، وقد فعل ذلك حقاً. فمنذ البداية كان رأيه يقتضي إنشاء مستشفيات ميدانية، وأسس أول مستشفى ميداني في قرية «شجرة العوج». وكان هذا أول مستشفى بعد مضي قرابة ثلاثة أشهر على تأسيس الحشد الشعبي. كما أنشأ مدرسة لعوائل الشهداء، وكان مهموماً بتأمين السكن لهم، ويقول: «يجب أن نبني مجمعات سكنية لعوائل الشهداء».
هل تحدّث معكم بشأن الشهادة؟ وما كانت رؤيته لها؟**
إذا قرأتم وصيته، ستدركون نظرته إلى الشهادة. ففي الشهر العاشر من عام 2015، كنا في قرية «السلام» ضمن قاطع تكريت. كانت مهمة تحرير تلك المنطقة وتطهيرها على عاتق الجيش العراقي (ولم تكن ضمن قاطع الحشد الشعبي)، لكنه كان يتفقد جميع المحاور. وحين حان وقت الصلاة، أقاموا صلاتهم جماعة كعادتهم. وفجأةً بدأ هجوم داعش واقتربوا منا كثيراً، حتى وصلوا إلى ما يُعرف في المصطلح العسكري بـ «المسافة صِفر»، غير أن الله لم يشأ أن يُستشهد الحاج أبو مهدي على أيدي عناصر داعش؛ إذ كانت داعش أصغر من ذلك، وقُتل قناص داعش على أيدي قوات الجيش. وما زال المقطع المصور لهذا الاشتباك موجوداً. بعد ذلك كنتُ أشعر دوماً بأنه سيُستشهد.
وفي أحد الأيام الذي صادف شهر محرم، وكان يرتدي ثياباً سوداء، قلتُ له: «تفضلوا وألقوا وصيتكم لأسجلها». وضعتُ الميكروفون في ثيابه، وكان قد تبقّى خمس دقائق على أذان الظهر، فقلت له: «أمامكم خمس دقائق فقط، أَوْصِ فيها»، وبدأ بالوصية فوراً في تلك اللحظة. لقد كان مستعداً للشهادة ووصيته حاضرة في ذهنه؛ فاستعرض في تلك الدقائق الخمس جميع مراحل حياته، وذكر جميع الشهداء الذين رافقهم ونالوا الشهادة؛ بدءاً من رفاق مقاعد الدراسة الجامعية وصولاً إلى الشهيد محمد باقر الصدر وشهداء المقاومة ضد الاحتلال الأمريكي وداعش من شتى أطياف الشعب العراقي، كما ذكر سماحة آية الله الخامنئي وأوصى بناته ایضا.
وفي الليلة التي استُشهد فيها الحاج أبو مهدي، كان مريضاً جداً وتحت العلاج ليتمكن من النهوض و الوقوف على قدميه، كما كان يعاني من قلة النوم. وكان علي خفاف يقول له: «يجب أن تنام لتتحسن حالتك»، فيجيبه: «لا أستطيع النوم، أعطني دواءً يساعدني على الجلوس لأتمكن من إنجاز عملي». لقد أراد الله أن يُستشهد هذان الرجلان في لحظة واحدة؛ لذا اخترتُ اسم «فاجعة المطار» للكتاب، لأن استشهاد الحاج قاسم والحاج أبي مهدي كان حقاً فاجعة حقيقية.
في كتابكم، أيُّ جانب من حياة أبي مهدي حظي باهتمام أكبر؟
في كتابي، وردت سيرة حياة الحاج أبي مهدي بتفاصيلها الكاملة في جميع مراحلها، منذ ولادته وحتى استشهاده. بالطبع، لا بد من إعداد قائمة بالكتب التي كُتبت ونُشرت عنه لتكون مرجعاً يستفيد منه طلبة الجامعات في أطروحاتهم؛ فبعض طلاب الماجستير والدكتوراه يراسلونني لتزويدهم بمعلومات عن الحاج أبي مهدي لاستخدامها في رسائلهم الجامعية، فأقول لهم: «ليس لدي معلومات كاملة، بل ينبغي لكم مطالعة جميع الكتب التي أُلّفت في هذا المجال». ولهذا السبب تحديداً، تبرز الحاجة الملحة إلى مثل هذه القائمة؛ فربما يرغب أحدهم غداً في إنتاج فيلم عنه، فإلى أي المصادر يتوجب عليه الرجوع؟ إننا بحاجة إلى موسوعة كاملة.
فعلى سبيل المثال، لدينا تسجيل صوتي يروي فيه أحداث حياته منذ ولادته وحتى عام 2003 (أي سقوط صدام). تبلغ مدة هذا التسجيل 9 ساعات، ويضم عدة فصول، وقد نُشر الفصل الأول منه بعنوان «جمال الخط». هذه
من الحاج أبي مهدي، غير أنها لم تُشرح وتُفصَّل؛ إذ إنه من فرط تواضعه لا يتحدث عن دوره في تلك الوقائع، ولذلك ينبغي سؤال من كانوا برفقته لمعرفة ما كان عليه دوره.
هل كان لديه دفتر يوميات لتدوين الأحداث والرسائل اليومية بخط يده؟**
لا أعلم إن كان مثل هذا الدفتر موجوداً أم لا، لكني ذكرتُ في كتاب «هندسة المقاومة» أيضاً أنه كان معتاداً على تدوين بعض الملاحظات، وإن كان يتلف كثيراً منها لاحقاً. أما الآن فلا علم لي إن كان يحتفظ بدفتر مذكرات في بيته أم لا. حتى إنه لم يكن يُعِدّ أي نص مكتوب قبل ارتقاء المنبر لإلقاء الكلمات في المحافل.
كيف كُتب كتاب «سليماني منا أهل العراق» عن الحاج قاسم؟
قال نبينا (ص): «سلمان منا أهل البيت» مع كونه إيرانياً، ونحن أيضاً اقتدينا بالنبي، ولمحبتنا الفائقة للحاج قاسم سليماني سميناه «منا أهل العراق».
فور استشهاد سليماني، خطرت ببالي هذه العبارة: «سليماني منا أهل العراق». فكتبتُ مقالات قصيرة تحت هذا العنوان، لكنني أتلفتها لكي لا تُنشر، وليبقى هذا العنوان محفوظاً للكتاب. وكان هدفي مجرد كتابة تقدير وتكريم يسير للغاية لهذه الشخصية العظيمة، وتثمين دوره في العراق ومهامه التي استمرت ثلاث إلى أربع سنوات في تحرير المناطق العراقية ومقارعة داعش والأعداء.
ويتناول محتوى الكتاب الحديث عن عشرين قائداً من قادة الحشد الشعبي الذين رافقوا الحاج قاسم في جميع العمليات وكافة المحاور. لقد كان دور الحاج قاسم في تأسيس الحشد الشعبي بالغ الأهمية؛ فلم يقتصر دوره على تأمين السلاح والعتاد والإسناد المالي والعسكري، بل كان له أثر فاعل أيضاً في توفير الاحتياجات الطبية من قبيل إنشاء المستشفيات الميدانية، وكذلك في الشؤون الهندسية وتأمين المعدات.
وفي هذا الصدد، حاورتُ عشرين قائداً من قادة الخط الأول للعمليات، ممن أعلم يقيناً قربهم من الحاج قاسم. ولم يكن الأمر عشوائياً بحيث أحاور كل من يدّعي معرفته بالحاج قاسم؛ إذ هناك أكثر من ألف شخص يعرفونه، بل تتبعتُ الأماكن التي تواجد فيها ومن كان الأقرب إليه، ثم التقيتُ بهم. فعلى سبيل المثال، أعلم أن من بين هؤلاء الأشخاص الشيخ جلال الدين الصغير؛ فقد كان الحاج قاسم يذهب لزيارته بصفة شخصية، ويبقى في منزله أربع أو خمس ساعات، وكان يحب لقاءه. فذهبتُ إلى الشيخ جلال وقلت له: حدّثني عما دار في هذه اللقاءات، فشرح لي ودَوّنتُ ذلك.
كما كان الحاج أبو حسام السهلاني، والحاج أبو علي البصري، والحاج أبو رضا نجار — وجميعهم من القادة — وكذلك الحاج أبو زينب اللامي يرافقونه في كل لحظة في العراق. وكان الأخ مهند العقابي، والدكتور علي خفاف، والحاج أبو امتحان برفقة الحاج قاسم أيضاً؛ وقد شرح هؤلاء بالتفصيل دور الحاج قاسم في تحرير سامراء وما حولها. يقع هذا الكتاب في 560 صفحة، ويسرد دور الحاج قاسم منذ لحظة وصوله إلى العراق وحتى أربع ساعات بعد سقوط الموصل.
فبعد سقوط الموصل، اصطف كثير من السياسيين العراقيين أمام مكاتب شركات الطيران لشراء تذاكر السفر لمغادرة العراق، ولكن في تلك اللحظة بالذات، وصل الحاج قاسم برفقة الشيخ قيس الخزعلي (الأمين العام لعصائب أهل الحق) إلى مطار بغداد؛ إذ كان الشيخ في مشهد، فطلب منه الحاج قاسم أن يأتيا معاً في رحلة داخلية إلى طهران، ومنها هبطا في مطار بغداد.
وقد روى لي أحد الإخوة ويُدعى حسن فدعم في هذا الكتاب: «إن أحد أصحاب شركات الطيران صديق لي، وقال لي: إن بعض السياسيين يطلبون مني حجز رحلات إلى الإمارات أو تركيا أو أي وجهة أخرى، ويقولون: المهم أن نغادر العراق اليوم، فالموصل قد سقطت، وبغداد ستسقط أيضاً. »
وفي خضم هذه الظروف، هبّت إيران والحاج قاسم لنجدتنا. وبعد ذلك صدرت فتوى المرجعية وتأسس الحشد الشعبي، وعاد الأمن إلى العراق، وكنتُ أنا شاهداً على هذه الوقائع.
في الكتاب أدرجتُ صور القادة الشهداء العراقيين مع الحاج قاسم؛ وتُبيّن هذه الصور الأماكن التي تواجد فيها، ومن كان يرافقه، ومن كانوا المقربين منه.
ختاماً، انقُلْ لنا إحدى ذكريات هؤلاء القادة من اختيارك.**
كان الحاج أبو آمنة الخرقاني ضابط عمليات، وقد كلّفه الحاج قاسم برعاية الحيوانات في منطقة العمليات ومواصلة العناية بها حتى بعد انتهاء المعارك. ويروي قائلاً إنه عندما كنا نحرر القرى، كان الحاج قاسم يطلب منه أن يجمع مواشي ودواب تلك القرى كافة ويعتني بها، ويؤمّن لها الغذاء كالأعلاف. وكانت مهمته جلب المؤن والعلف للحيوانات وتفقدها والاهتمام بها. ويقول أبو آمنة: «إن هذا العمل مستلهم من سيرة الإمام علي بن أبي طالب (ع) في الحروب». وقد أوردتُ هذه المبادرة للحاج قاسم في الكتاب؛ مما يدل على أن دوره تجاوز مجرد إدارة العمليات والتحرير إلى رعاية الجرحى وأسر الشهداء. بل إنه كان يذهب لزيارة عوائل الشهداء في مناطق لم يكن أحد يتوقع وصوله إليها، وفي أوقات محددة بالرغم من وجود التهديدات والمخاطر الأمنية، ليطرق أبواب تلك العائلات ويتفقد أحوالها.
المصدر: جوان أونلاين