تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

طلال عتريسي

أستاذ وباحث لبناني بارز
إنَّ طريق الشهيدين سليماني والمهندس سيستمر حتى تتحقق أهداف المقاومة.
طلال عتریسی مرد میدان وحدت

إنَّ الحديث عن الشهيد قاسم سليماني والشهيد أبي مهدي المهندس بالغ الصعوبة، ولا يمكننا إلا أن نقوم باستعراض خلاصةً من حياتهما الجهادية، وما استخلصناه من دروسٍ وعِبَر من خلال سيرتهما المباركة.
وأضاف: لقد قدّم هذان الشهيدان نموذجًا عمليًا لمواجهة مشروع الاستكبار في المنطقة. والمقصود بمشروع الاستكبار هو الاحتلال الأمريكي في المنطقة، سواء بصورة مباشرة في العراق، وكذلك في سوريا، وبالتوازي مع ذلك، العمل ضد المقاومة.
وتابع عتريسي: يمكن القول إن الشهيد أبو مهدي المهندس أدّى دورًا أساسيًا في مواجهة الاستكبار في العراق؛ ففي المرحلة الأولى واجه القوات الأمريكية المحتلة، ثم واصل المواجهة مع داعش وجميع المعتدين في المنطقة الذين كانوا يحظون بدعم قوی الشر فی العالم.
ثم أكد الدكتور عتريسي أنَّ الارتباط الوثيق بين القائدين الشهيدين قد أسس لنموذجٍ فريدٍ من العمل المعنوي والجهادي والسياسي، امتد على مدى ثلاثين عاماً؛ إذ تحوّل الشهيد سليماني من قائدٍ ميداني إلى مدرسةٍ فكرية ونضالية متكاملة، لا يصح في حقها القول بالمبالغة، بل هي واقعٌ ملموس. لقد استطاع -بما امتلكه من رؤية استراتيجية ثاقبة- أن يجمع شتات قوى المقاومة في العراق وسوريا ولبنان، بل وامتدت مظلته لتشمل دعم جبهتي اليمن وفلسطين بعنايةٍ واهتمامٍ استثنائيين.

وأضاف عتريسي أنَّ الشهيد سليماني كان يتمتع ببصيرةٍ نافذة تجاه قضايا المنطقة، مقترنةً بطبيعةٍ إنسانيةٍ تتسم بالصدق والنزاهة، مما أكسبه شخصيةً كاريزمية متميزة. كما أشار إلى أنَّ من أبرز سمات "مدرسة سليماني" قدرته الفائقة على صياغة استراتيجيات المواجهة مع الاحتلال الأمريكي؛ فقد كان يُعزز كفاءات القوات العراقية والسورية، ويُوحّد طاقاتها، مع الحفاظ على خصوصية كلٍ منهما، لدعم جبهات النضال المشترك.
وأكد الدكتور عتريسي أنَّ فلسفة الجمهورية الإسلامية في مواجهة ضغوط الحصار والتهديدات لا تركن إلى التبعية أو الاكتفاء بقطاعٍ واحد؛ بل تقوم على مبدأ "الاكتفاء الذاتي" القائم على تعزيز القدرات الوطنية في شتى المجالات. وفي هذا السياق، كان الشهيد سليماني يرى في استقلالية الأمم ركيزةً أساسيةً لمواجهة الحصار، وهو النهج الذي سار علیه الشهيد أبو مهدي المهندس مستندا علی خبراته الميدانية، حيث كان الشهيدان يعملان بتنسيقٍ وتناغمٍ تام، واضعين الخطط الاستراتيجية المشتركة لمواجهة سياسات الهيمنة الأمريكية في المنطقة.
استمر عتریسی فی حديثه عن الشهيد المهندس بالقول: «لقد حظي هذا الشهيد بباعٍ طويلٍ وخبرةٍ مديدة تماهت مع تجربة الشهيد سليماني في العراق، فكان رفيقي دربٍ لا يفترقان، ولا سيما في تخطيطهما المشترك لمجابهة قوات الاحتلال الأمريكي».
وأردف الباحث اللبناني قائلًا: «على الرغم من الخصائص الفریده والخبرة الاستثنائية التي تمتع بها الشهيد سليماني، إلا أنه ظلَّ ركنًا ركينًا في فيلق القدس التابع للحرس الثوري، الذي يُعد بدوره تجسيدًا لرؤية الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وبذلك، فنحن أمام مدرسةٍ فكريةٍ وعمليةٍ استنهضت القدرات الذاتية، لا لمواجهة المحتل فحسب، بل لإرساء دعائم محور المقاومة، وتلك هي الركيزة الجوهرية في مدرسة الشهيد سليماني».
ومضى عتریسی في استعراضه موضحًا: «لقد نجح الشهيد سليماني، بمعية الشهيد المهندس، في بناء جسورٍ وطيدة مع محور المقاومة، مما أثمر إنجازاتٍ مشهودةً في كلٍ من سوريا والعراق ولبنان، كما لعبا دورًا محوريًا في تكريس الاستقرار السوري وإحباط المآرب الأمريكية التي استهدفت تقويض أركان هذا المحور».
واختتم حديثه بلمسةٍ وجدانيةٍ مؤكدًا: «إنَّ رحيل هذين القائدين الكريمين، وإن كان جرحًا غائرًا وخسارةً فادحة، إلا أنه قد كشف عن جوهر تجربة المقاومة في منطقتنا في وجه الاستكبار والفتن، مؤكدًا على قيم الثقة بالذات والاعتماد على الطاقات الكامنة. وسيبقى نهجهما نبراسًا يضيء الدرب، ولن يهدأ لنا بالٌ حتى نبلغ الغاية المرجوة، وهي رحيل المحتل عن ربوعنا، وتحقيق تطلعات محور المقاومة في كامل أرجاء المنطقة».