كيف يمكن للمرء أن یتحول الی "مدرسةً فكرية" وأمةً بأكملها؟ ما الذي وهب الحاج قاسم سليماني هذه الشخصية الجامعة التي زاوجت بين القيادة العسكرية، والحنكة السياسية، والشعبية الجارفة، والبصيرة النافذة، والذوبان في حب الجماهير؟ لقد غدا شخصيةً تركت أثرها في العالم أجمع، وزرعت المهابة والرعب في قلوب الأعداء. إن هذه العظمة المهيبة والشكيمة الفذة التي جسّدها القائد سليماني هي محور هذا الدرب ومنطلقه.
أما الإجابة عن السؤال المذكور، فتكمن في جوهر السمات التي تميز بها الحاج قاسم؛ سمات جعلت هذا الفتى القادم من أرياف "كرمان"، یشق طريقه ليصبح رمزاً عالمياً، وشخصية سماوية، ونموذجاً يُحتذى في الإنسانية. إن سر نجاحه يكمن في الغيرة الدينية والعبودية الخالصة لله؛ إذ ذاب في طاعة الخالق حتى لم يعد يرى لنفسه وجوداً، ولم يسعَ يوماً للظهور أو الرياء، بل كان يبتغي إعلاء كلمة الله وإرشاد الناس إلى سبيله. وهذا مصداقٌ للوعد الإلهي: من تسلّح بالبصيرة في مواجهة الفتن، فلن يضل الصراط المستقيم .لقد كان يرى الدرب بوضوح لأنه امتلك بصيرةً نافذة.
لقد بلغ الحاج قاسم ذروة العبودية لله، ولا رتبة للإنسان أسمى من العبودية. لقد کان الشهید یفتخر بکونه جندیا لولایه الفقیه بینما کان الجمیع یرونه کسلطان للقلوب . لقد ترعرع الحاج قاسم فی مدرسه الامام الخمینی ره بحیث اسس مدرسه خاصه لتنفید اهداف مدرسه الامام الراحل . مدرسه الحاج قاسم هی طریق الجهاد فی سبیل الله و تستمد معارفها من الاسلام المحمدی الاصیل . "مدرسة الحاج قاسم" تمثل تجسيداً للولاء والالتزام العملي بمبادئ الثورة وطریقا ممهداً لظهور الحق الموعود.
لقد نال الحاج قاسم بالشهادة ما كان يتطلّع إليه، بینما يظنّ الأعداء أنهم قد انتقموا منه؛ وينقل أحد الأجلاء الثقات قائلاً: "كنا قبل سنوات في محضر آية الله بهجت، وكان الحاج قاسم يطلب الشهادة بإلحاح ، فقال آية الله بهجت: إنّ الحاج قاسم سليماني له قدره الموت الاختياري. وكان في أسفاره يكثر من المطالعة، وفي سفره الأخير كان أكثر اشتغالاً بتلاوة القرآن، وحتى عند بداية سفره قال لاحد ابناء الشهداء: أنا ذاهب إلى مصرعي.فبعد أربعين عاماً من السعي والمجاهدة، حان الوقت للحفاظ على هذه المدرسة الخالدة، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالدماء؛ فقد بقيت مدرسة النبي الأكرم ﷺ بدم الإمام الحسين عليه السلام، وكذلك ستبقى مدرسة الإمام الراحل بدمائنا.
ان الطريق الذي تقوم عليه مدرسة الحاج قاسم هو طریق الطاعة للولاية، ومدرسته هي مدرسة البصيرة؛ فكثيرون يمتلكون البصيرة، لكنهم لا يملكون الصراحة لبیان مایرون . کان هناک شخصین یمتلکان هاتین السمتین ، المرحوم آية الله مصباح اليزدي والشهيد سليماني، هو أنهما كانا، إلى جانب البصيرة، يتحليان بالصراحة والجرأة في البيان. إن مدرسة الحاج قاسم هي مدرسة الثبات في مواجهة الأعداء والفاعلية العملية، ونحن اليوم في أمسّ الحاجة إلى هذا الخطاب. لقد كان رجلاً عملياً لا رجلاً كلامياً؛ فما كان يقوله كان قد عمل به من قبل.
و**حبّ الناس** من أبرز تجليات مدرسة الحاج قاسم؛ ففي هذه المدرسة، أفضل طريق للتقرّب إلى الله تعالى هو خدمة الناس. لقد روی الشهید حاج قاسم ذكرى عن الشهيد أبو مهدي المهندس، قائلاً: كنت مع أبو مهدي المهندس ذات مره ،فقال لي: إنّ کونی جنديا لک هو مدعاه فخری ، لانک بدورک جنديٌّ لسيدنا القائد.
وقد طلب منا الحاج قاسم في وصيته الطاعة المطلقة لولاية الفقیه، وإن سعادة النظام وفاعليته وحلّ مشكلاته إنما تكون في ظلّ الالتزام بالولاية.