*القائد حاج قاسم لم يكن عادةً یهتم بالاصطفافات و التکتلات الحزبیه
ينبغي النظر إلى (الحاج قاسم سليماني) من جانبين: من الجانب الشخصي ومن جانب المسؤولية التنظيمية التي كان يتولاها. أما شخصيته فمعروفة، ولا حاجة لي في الإطناب بشأنها؛ فقد كان يمتلك أخلاقًا استثنائية، وكان قادرًا على التواصل والتقارب مع الجميع، وينظر إلى الناس فعلًا بوصفهم مواطنين أو جزءًا من منظومة حكم الدولة. وكان عادةً لا يعبأ بالاصطفافات والخطوط والفصائل الحزبیه وما إلى ذلك. كانت نظرته وطنية بالدرجة الأولى، وكان ينظر إلى الأشخاص من هذا المنطلق أيضًا. والمقصود بالنظرة الوطنية التي أذكرها هو منظورٌ عابرٌ للانتماءات الضيقة، يضع في الحسبان القضايا الكبرى للبلاد والثورة والمنطقة وغيرها، وكان يتعامل مع الناس على هذا الأساس.
وعلى الصعيد التنظيمي كذلك، لم يكن تعامله مجرد تعاملٍ إداريٍّ صرف، بل كان تعاملًا شاملًا ينطلق من منظور المصالح العليا للبلاد والثورة. وكانت طباعه الشخصية كذلك؛ إذ كان يأنس بالجميع بسرعة، ويصافح كل من يلتقيه، وكان من غير الممكن أن يتصرف على خلاف ذلك، وكان شديد التواضع في تعامله. ولا سيما في سنواته الأخيرة، حين طُرح اسمه بوصفه أسطورة، فقد كان بعض الناس عندما يلتقون به لا يكادون يصدقون مقدار تواضعه، ودفء استقباله، وكونه يتحدث بعفوية وبساطة، ويتعامل مع الجميع بحفاوة بالغة، وكانت هذه إحدى السمات المميزة له.
*القائد سليماني كان ینظر الی الميدان والدبلوماسية بوصفهما جناحین متکاملین و متوازیین
ومن حيث الخصوصية التنظيمية أيضًا، لم يكن هناك أصلًا أي تعارض بين فیلق القدس، على سبيل المثال، ووزارة الخارجية، لا من قبل ولا من بعد، وكانت رؤيته الشخصية مختلفة تمامًا عن هذا التصور، إذ كان يعتقد أن هاتين المؤسستين تتحركان بالتوازي وتكمل إحداهما الأخرى؛ فإحداهما حضورها ميداني، والأخرى حضورها دبلوماسي. وأنا أشهد أنه في زمنه كان يُنظر إلى الميدان والدبلوماسية على أنهما متساويان تمامًا، وعلى الأقل من وجهة نظره كان الأمر كذلك.
ومن الطبيعي أن بعض الظروف كانت تقتضي أن يحظى الميدان بالأولوية، وبعض الظروف الأخرى كانت تقتضي أن تتقدم الدبلوماسية، لا لأن أهميتها أكبر، بل لأن الدبلوماسية في تلك اللحظة وتلك الظروف ينبغي أن تكون في الواجهة وتتقدم الصفوف، بينما يتحرك الميدان من خلفها، أو أحيانًا بالعكس. غير أن الميدان هو الذي يحقق عادةً الإنجازات الميدانية، ثم تأتي الدبلوماسية لتحول هذه الإنجازات إلى مصالح وطنية وأمن وطني، وتحوّلها، إن صح التعبير، إلى مكاسب ملموسة.
كان هذا هو موقفه حسبما کنت اراه ؛ ولذلك كان يحرص على عقد اجتماعات أسبوعية مع وزير الخارجية، وكان اجتماع صباح الثلاثاء عند الساعة السادسة مع وزير الخارجية معروفًا. وفي هذه الاجتماعات كانوا يستعرضون كل ملفات الأسبوع وما يتصل بالمنطقة، ويعملون على التنسیق بینهما. كما كانت هناك اجتماعات متعددة كنا نشارك فيها في أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي، وكانت تحضرها وزارة الخارجية، وفيلق القدس، وأجهزة أخرى، ويتم خلالها تنسيق جميع الموضوعات.
*الشهيد سليماني كان دبلوماسيًا متمرسًا
أنا شخصيًا والشهید سلیمانی کانت لدینا نفس الرویه نحو علاقه الدبلوماسیه بالمیدان ، نظرةً لاتعتبر الدبلوماسية أمرًا ثانويًا أو منفصلًا؛ بل كان هذان المساران يكمل أحدهما الآخر. وأستطيع أن أقول إنّه كان هو نفسه دبلوماسيًا متمرسًا، سواء من حيث طبيعة رؤيته وفهمه للقضايا الدولية، أو من حيث أسلوبه في التعامل مع المسؤولين الذين كان يلتقيهم؛ إذ كانت له لقاءات خارجية أيضًا، لكن لقاءاته لم تكن من النوع الصحفي العلني والإعلامي كما هو حال كثير من الدبلوماسيين، بل كانت في إطارها الخاص.
وقد رأيتُ أسلوبه في التفاوض والتعامل خلال اللقاءات الدبلوماسية، وكان يتحدث فعلًا بمستوى دبلوماسي رفيع، وكانت نظرته سليمة تمامًا، كما كان في الميدان رجلَ ميدان قويًّا للغاية. ومن وجهة نظري، كان الحاج قاسم تجسيدًا لوحدة الميدان والدبلوماسية، وكان ذلك واضحًا في شخصيته وطريقة تعامله مع جهاز الدبلوماسية والأجهزة الأخرى.
*المسؤولون الأجانب، وحتى الأوروبيون، كانوا ينادونه بـ«الحاج»
ولعلّ من الأمور اللافتة التي يمكنني ذكرها هنا: عندما كنت ألتقي بعض المسؤولين الأجانب — وربما لا يكون من الأفضل أن أذكر أسماءهم — كانوا يذكرونه في حديثهم بصفته «الحاج»، فيقولون مثلًا: «التقيتُ الحاج في ذلك اليوم». ولم يكن ذلك مقتصرًا على المسؤولين العراقيين، بل حتى المسؤولين الأوروبيين والإقليميين رفيعي المستوى کانوا یشیرون إليه بـ "الحاج"، مقتبسين عبارات مثل: «عندما التقينا الحاج»، أو «أبلغوا الحاج بالأمر الفلاني»، أو «أوصلوا هذه الرسالة إلى الحاج تحديدًا».
ويشير هذا إلى نجاحه في تأسيس قناة تواصل تتيح له التخاطب وتبادل الرسائل بيسر. ومن أسرار نجاحه الجوهرية، في تقديري، أنه كان يجمع بكفاءة بين إدارة الساحة الميدانية وتوجيه التفاعلات السياسية المرتبطة بها في المواقع التي يشرف عليها. وقد نتج عن هذا النهج، في فترة إشرافه، درجة عالية من التنسيق، وتكللت ساحة المقاومة بمنجزات كبرى، تجذرت في هذا النمط الفكري.
*الدبلوماسية تستمد زخمها من المكتسبات الميدانية
الدكتور عراقجي: "هذا طرحٌ نظري أوردته في كتاب «قوة التفاوض» الذي ألّفته خلال فترة تفرغي هذه. وملخصه أن الدبلوماسية في مختلف أرجاء العالم تعتمد في حركتها بشكل أساسي على المكتسبات الميدانية".
فالدبلوماسية في ذاتها كيانٌ لا يمتلك مقوماته بنفسه، بل إن القوة الدافعة لها هي عناصر القوة التي یمتلکها ای بلد والتی تظهر تجلياتها في الساحة. ان هذه العناصر هی التی تقوم بدفع عجله الدبلوماسیه الی الامام ولا يقتصر هذا على الميدان العسكري فحسب؛ فالميدان قد يكون اقتصاديًا، بامتلاك إنجازات اقتصادية أو تكنولوجية، أو قد يكون ثقافيًا، عبر القدرات الثقافية والخطابية (القوة الناعمة).
وتمتلك الجمهورية الإسلامية الإيرانية أحد مقوّماتها الأساسية في القدرة على صياغة الخطاب، مثل خطاب المقاومة ومناهضة الهيمنة. هذه هي الساحات التي يتم فيها توليد القوة، وحينئذ تتحرك الدبلوماسية مستندةً إلى هذه القوة. وبإمكان هذه العناصر، عبر المسار الدبلوماسي، أن تحقق المصالح الوطنیه و الامن الوطنی والعزه الوطنیه ولذلک فلا یجب فصل "الميدان" عن "الدبلوماسية" ، لأن أمن الوطن وعزته يفتقران إلى القوة الكاملة من دون الدبلوماسية، كما أنهما يعجزان من دون الميدان. لذا، فإن الميدان والدبلوماسية مترابطان ويتحركان جنباً إلى جنب، ومن ثمّ فإن النقاش حول أيهما له الأولوية هو نقاش هامشي؛ فكلاهما يكمل الآخر، وتختلف الأولوية بينهما باختلاف الظروف والمراحل الزمنية: قد يتقدم الميدان في مرحلة ما، وتتقدم الدبلوماسية في مرحلة أخرى، ولكن في الرؤية الكلية، يتحركان بالتوازي.
*الضلع الثالث للمیدان والدبلوماسیه هو الإعلام
ثمة نقطة إضافية جديرة بالاهتمام، وهي أن الميدان والدبلوماسية يفتقران إلى ضلع ثالث يكتملان به، وهو "الإعلام". فعلى الرغم من أننا نمتلك إنجازات في الميدان والدبلوماسية، إلا أن هذه الإنجازات لا تنعكس في الإعلام كما ينبغي. وفي الوقت الذي يحرص فيه الأعداء على تقديم رواية معاكسة، وتشويه الحقائق بمهارة، وتصدير سردياتهم للرأي العام العالمي، فإننا نعاني من قصور في تقديم الرواية الصحيحة. لذا، ينبغي لهذه الأضلاع الثلاثة أن تتحرك بتناغم تام ،فمن الممكن أن تحقق إنجازات كبيرة في الميدان وعلى طاولة الدبلوماسية، لكن إذا غاب التناول الإعلامي الصحيح لهذه الإنجازات، أو حدث عكس ذلك، فقد تخسر المعركة في سياقها الاستراتيجي العام لأنك لم تنجح في تطويع الإعلام لصالحك.
إن العبرة تكمن في "صناعة الرواية"؛ فقد تجد خصمك منهزماً في الميدان، لكنه يتفوق عليك في حرب الروايات والخطاب، ليتقبل العالم والرأي العام روايته ويتبنوها. لذا، فإن الميدان والدبلوماسية والإعلام لا ينفكون عن بعضهم البعض ويجب أن يعملوا كمنظومة متكاملة.
*كان لدى حاج قاسم هواجس بشأن المفاوضات النووية، لكنه لم يكن معارضًا مطلقًا
لم يكن للقائد قاسم سليماني أي معارضة للمفاوضات النووية، لكنه کان يحمل هواجس . خلال طوال فترة المفاوضات النووية -حسب ما اطلعتُ عليه- لم أشعر يوماً بوجود خلاف بيننا، بل على العكس؛ كان لديه دائماً تساؤلات وهواجس مشروعة تماماً، ومن الواجب احترامها والترحيب بها.
قصة الاجتماع العسكري الهام حول "الهواجس الصاروخية وبرجام":
كانت لنا اجتماعات عسكرية جادة ومكثفة مع الأصدقاء في القوات المسلحة، سادها جو من النقاش الحاد أحياناً لكنها كانت مثمرة في النهاية. ومن أهم هذه اللقاءات التي أذكرها، اجتماعٌ عُقد في الأيام الأخيرة التي سبقت التوصل إلى "الاتفاق النووي" (برجام). كان هناك قلقٌ يتزايد حول ما إذا كان الاتفاق سيؤثر على البرنامج الصاروخي للبلاد أم لا؟
لذلك، تم التنسيق لعقد اجتماع حضره كبار قادة القوات المسلحة، وكان القائد سليماني من بينهم. في ذلك الاجتماع، قمت بشرح كافة أبعاد القضية، وأوضحتُ بشكل كامل أنه لا توجد أي علاقة بين هذين الملفين، وأن البرنامج الصاروخي يسير في مسار مستقل تماماً ولا يتأثر بـ "برجام" بأي شكل من الأشكال.
لقد استندتُ في توضيح ذلك إلى أجزاء من الاتفاق وقرار مجلس الأمن رقم ۲۲۳۱. كان الاجتماع طويلاً جداً، وطُرحت فيه تساؤلات هامة ومؤثرة، وفي النهاية تبددت الكثير من تلك الهواجس. وبعد ذلك، عندما اطمأن الأصدقاء العسكريون إلى صحة ما طرحناه، ومع بدء تنفيذ "برجام" وإجراء عدة تجارب صاروخية بنسبة ۱۰۰٪، ثبت للجميع أنه لم يطرأ أي خلل على المسار الصاروخي ولم يتضرر الاتفاق النووي، واطمأنت القلوب تماماً. وكان ذلك اللقاء في مجمله جيداً وإيجابياً وراسخاً في ذاكرتي كجلسة تحدٍّ جدّية للغاية، وفي الوقت نفسه كان اللقاء بناءً وذو مقاربة إيجابية وأفضى في نهاية المطاف إلى نتائج طيبة.
*لو لم نكن نمتلك القوة الصاروخية، لما فاوضنا أحد
لقد کانت وزارة الخارجية على اعتقاد راسخ بهذا المبدأ ؛ فلقد ذكرتُ مراراً وتكراراً أن الدبلوماسية تتحرك متكئةً على عناصر القوة، وهذه العناصر هي التي تصنع لنا الاقتدار. لو لم نكن نمتلك القدرات الصاروخية، لما كان هناك أي دافع لدى الطرف الآخر للتفاوض معنا؛ فما الذي كان سيجبر وزراء خارجية القوى الكبرى (مجموعة ۵+۱) على الجلوس معنا طوال عامين والوصول إلى اتفاق؟ ولو كان بإمكانهم تدمير منشآتنا النووية بضربة عسكرية واحدة - كما صرّح وزير الخارجية الأمريكي آنذاك بـأنهم كانوا يتمنون تفكيك منشآتنا النووية لو استطاعوا - لما تفاوضوا معنا أبداً. إن ما منعهم من الإقدام على ذلك هو القوات المسلحة وقدراتنا الصاروخية التي حققت لنا قوة الردع المطلوبة.
إن قدراتنا الصاروخية هي في الواقع درعٌ واقٍ لمنشآتنا النووية ولقدراتنا الدفاعية والأمنية ككل، وقد نجح هذا البرنامج الصاروخي في خلق حالة من الردع الاستراتيجي.
* لم يكن لدى وزارة الخارجية أي شك أو تردید على الإطلاق بشأن ضرورة تعزيز القدرات العسكرية والدفاعية للبلاد
إذا كان هناك ثمة نقاش أو تباين في وجهات النظر بيننا فلم یکن حول امتلاکنا للقدرات العسکریه ، فقد كان ينحصر في امور اخری مثل التوقيت المناسب لاستخدامها ؛ كأن نقترح تأجيل اختبار صاروخي معين من اليوم إلى الغد لاعتبارات سياسية أو دبلوماسية، وكانت هذه التوصيات تندرج في هذا الإطار فحسب.
بيد أنني أشهد شخصياً، سواءً خلال فترة عملي في وزارة الخارجية أو خارجها، أن أحداً لم يجادل أو يعترض قط على المبدأ الأساسي المتمثل في ضرورة تعزيز الاقتدار العسكري والدفاعي للبلاد.
فيما يخص الملف الصاروخي، كانت لدينا بعض النقاشات والملاحظات؛ كأن نوصي مثلاً بتأجيل تجربة ما من اليوم إلى الغد أو العكس، واقتصرت الملاحظات على هذا القبيل فحسب. لكنني أشهد شخصياً، وأشهد بالنيابة عن زملائي في وزارة الخارجية، أننا لم يتملّكنا أدنى شك يوماً في ضرورة تعزيز القدرات العسكرية والدفاعية للبلاد.
* نحن من استفاد من آلية "الارتداد" (الزناد / سناب باك) لا هم
إن الولايات المتحدة هي التي انسحبت من هذا الاتفاق، وبناءً على خروجها قمنا بتعديل سياساتنا وتوسيع برنامجنا النووي. وعندما أُعيد فرض العقوبات، قمنا بطبيعة الحال بتعليق التزاماتنا وفقاً للآليات المنصوص عليها في الاتفاق النووي (برجام).
إن آلية "الارتداد" (الزناد) المزعومة، نحن من قام بالاستفاده منها وليس هم؛ حيث علقنا كافة التزاماتنا، وقمنا بتطوير برنامجنا النووي ليصل إلى مستويات تفوق بكثير ما كان عليه قبل الاتفاق النووي، وهو مستمر على هذا النحو المتقدم حتى اليوم.
* الجمهورية الإسلامية لم تُنزِل راية المفاوضات قط
إن مسألة إطلاق جولة مفاوضات جديدة تعتمد بالكامل على مدى جاهزية واستعداد الطرف الآخر. فنحن لم نغادر طاولة المفاوضات قط، حتى بعد الانسحاب الأمريكي، وظل هذا الموقف قائماً حتى الأيام الأخيرة لحكومة الشهيد رئيسي وما تلاها. إننا واثقون تماماً من الطبيعة السلمية لبرنامجنا النووي، ولطالما كان موقفنا الثابت هو الدخول في مفاوضات تفضي إلى بناء الثقة في سلمية البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات؛ وعلى أساس هذه الصيغة والمعادلة خضنا مفاوضات الاتفاق النووي سابقاً.
واليوم أيضاً، إذا ما توفرت صيغة مماثلة، فنحن مستعدون للتفاوض. إن الجمهورية الإسلامية لم تُنزِل راية المفاوضات قط، وهذا أصل ثابت لدينا؛ شريطة أن تكون المفاوضات مشرفة وعادلة، وتضمن حقوق الشعب الإيراني وتلتزم بخطوطنا الحمراء، وألا تكون لمجرد هدر الوقت، أو "مفاوضات من أجل المفاوضات"، أو مفاوضات استنزافية.
* اننا مستعدون حالیا ایضا ان نخوض مفاوضات اخری مفاوضات عادله و مشرفة، وأن تضمن حقوق الشعب الإيراني، وأن تُراعى فيها خطوطنا الحمراء التي تُحدَّد في وقتها، بحيث نتمكن عبرها من رفع العقوبات بصورة كريمة، وفي المقابل نزيد من مستوى الاطمئنان إلى سلمية البرنامج النووي الذي نحن أنفسنا على يقين من سلميته. وهذه هي مقاربتنا العامة.
برنامجنا النووی لایفرض علی نفسه ای قیود عدی کونه سلمیا
وإذا كان الطرف المقابل لا يفضّل هذا المسار، فمن الطبيعي أن نتابع طريقنا كما فعلنا خلال السنوات الماضية، ونحن نواصل ذلك الآن أيضًا. فالبرنامج النووي الإيراني برنامج سلمي بالكامل، ولا يفرض على نفسه أي قيود خارج إطار السلمية، ونحن نتحرك ضمن هذا الإطار. ومن لديهم هواجس فليأتوا لنتحدث ونتفاوض حتى تُحلّ مخاوفهم.
إنهم لن يحققوا نتيجة عبر القوة والضغط والعقوبات. وقد جرّبوا ذلك؛ فكلما فُرضت على إيران عقوبات وضغوط أكبر، ازدادت إيران مقاومةً. وفي المرحلة السابقة واجهت سياسة "الضغط الأقصى" سياسة "المقاومة القصوى" من جانب إيران. واليوم أيضًا، إذا سلكوا المسار نفسه، فسيكون ردّنا في المسار ذاته. أمّا إذا اختاروا طريق المفاوضات العادلة والمنصفة والمشرفة، وتحدثوا بلغة الاحترام، فسنستخدم نحن اللغة نفسها، وسنسعى إلى مسار يفضي إلى تحقيق مصالح الشعب الإيراني.
حزب الله سيحضر إلى الساحة أكبر وأقوی…
المقاومة في أصلها قضيةٌ ومذهبٌ ، فكرةٌ ومدرسة، وهو التعبير الذي استخدمه سماحة القائد. فمدرسة الحاج قاسم أو مدرسة المقاومة ليست ظاهرةً يمكن أن تزول بضربةٍ واحدة، ثم تُطوى في صفحات التاريخ؛ كلا، ليس الأمر كذلك. إنها قضيةٌ عادلةٌ تمامًا، قائمة على العدالة وطلب الحق. إنها قضية النضال والمقاومة ضد الهيمنة والاحتلال، وهي نورٌ لا ينطفئ. قد تمرّ أحيانًا، تبعًا للزمان والظروف، بمراحل مدٍّ وجزر، وقد تتعرض لبعض الخسائر، وهذا ليس جديدًا؛ فقد كررت مرارًا أن استشهاد السيد حسن نصرالله كان خسارةً كبيرة جدًا، لكن هذه ليست المرة الأولى التي يفقد فيها حزب الله قائده؛ فقد فقده من قبل أيضًا، لكنه نهض وعاد إلى الساحة أكبر وأقوى. وهذه المرة أيضًا تلقّى ضربات، لكن قاعدته الاجتماعية وقواه لا تزال في مكانها. وتلك المدرسة وذلك المبدأ وذلك الفكر ما زال قائمًا، وفي داخله قدرة على التجدّد والنمو.
وكما هي قضية فلسطين؛ فها هو الاحتلال الصهيوني، على مدى 80 عامًا، وبمساندة الأميركيين وغيرهم، يواصل القصف والقتل الجماعي والحصار وتجويع الناس وإغراقهم في الفقر، ومع ذلك، هل اندثرت قضية فلسطين؟ بل إن بعضهم حاول دفعها نحو التسوية والمصالحة والاستسلام، لكن هذا المبدأ لم يَخْبُ، وما زال الشعب الفلسطيني متمسكًا بحقّه ويسير في هذا الطريق.
المقاومة مدرسة، وأنا أعتقد أن هذه المدرسة تتجلى وتزدهر أكثر بدماء الشهداء، فهذه هي خاصية دم الشهيد. وبعضهم يقول إن غياب الحاج قاسم في الظروف الراهنة يمثل نقصًا وخسارة، وأنا أقول: نعم، من حيث بعض جوانب الإدارة، كان وجوده سيقدّم بالتأكيد عونًا أكبر، لكن القائد سليماني والشهيد سليماني ليس بينهما فرق كبير. بل قد يكون الشهيد سليماني أكثر تأثيرًا من القائد سليماني، ونحن اليوم لدينا الشهيد سليماني، والشهيد نصرالله، وسائر الشهداء في الساحة.
*المقاومة تلقّت ضربات، لكن العدو لم يبلغ أهدافه
علينا أن نُقِرّ بأن المقاومة تعرّضت لِضرباتٍ في هذه المرحلة، غير أن العدوّ لم ينجح أيضًا في بلوغ أهدافه؛ فلم يتمكّن في غزة من القضاء على حركة حماس، ولم يفلح في لبنان في القضاء على حزب الله. والمقاومة ستواصل طريقها. أما ما تلقّته من ضربات فسيُجبر ويُعوَّض من جديد، وأنا أرى المستقبل بوضوحٍ كبير، وأعتقد أن المقاومة خلال الأشهر الماضية اكتسبت تجارب ثمينة للغاية، وتلقّت دروسًا بالغة الأهمية ستسهم في تصحيح المسار المقبل، بحيث يكون التحرك القادم أقوى وأقلّ خطأً.
وينطبق الأمر نفسه على الجمهورية الإسلامية؛ إذ أعتقد أننا خرجنا بدروسٍ بالغة القيمة، واكتسبنا خلال هذه الفترة خبراتٍ مهمة جدًا، ومن المؤكد أن المسار المقبل سيكون أكثر نموًّا وأفضل. والمهم هو مقدار ما نبذله من جهد، ومدى حضورنا الحقيقي في الميدان، وأن نعمل بعقليةٍ جهادية، ونفكّر بروحٍ جهادية، وأن نتخذ من الحاج قاسم سليماني وأمثاله نماذجَ نحتذي بها في هذه المسارات.
*لقاء الحاج قاسم بشخصٍ تعرّض للظلم
أذكر هنا خاطرةً عن خصاله الشخصية. فقد كان هناك أحد الأشخاص — ولا أرغب في ذكر اسمه — تعرّض في قضيةٍ ما لظلمٍ حقيقي، وكنتُ يومًا جالسًا إلى جانب الحاج قاسم على هامش أحد الاجتماعات، فجرى الحديث عن هذا الشخص وتلك القضية، وأبدى هو أيضًا رأيه قائلاً: "نعم، أوافق على أنه قد وقع عليه ظلم". عندها قلتُ له: "أرجو منكم أن تلتقوا هذا الشخص، على الأقل ليحصل له بعض السلوى والطمأنينة نفسيًا".
فقال: "سألتقيه حتمًا".
وبعد انتهاء ذلك الاجتماع، قلتُ في نفسي: "لقد قال ذلك على سبيل المجاملة، ومن المستبعد أن يجد الوقت، أو أن یوافق مكتبه على ذلك"، إذ أحيانًا يوافق الشخص نفسه بينما لا يوافق المكتب! لكنني فوجئت مساء ذلك اليوم بأن الحاج قاسم، ما إن عاد من الاجتماع، حتى طلب من مكتبه ترتيب اللقاء، وتم الاتصال بذلك الشخص وتحديد موعدٍ له في صباح اليوم التالي أو بعد يومين. وكان ذلك الشخص يروي ماحدث : "ذهبتُ وأنا أظن أنني سأنتظر طويلًا، وأنني سأخضع لتفتيشٍ دقيق، لكنني وصلت إلى هناك ودخلت مبنى، وقيل لي عند الباب أن أصعد بالمصعد إلى الطابق الرابع، وعندما فُتح باب المصعد رأيت الحاج قاسم واقفًا في الصفّ الأمامي، فاحتضنني، ثم دخلنا وعُقد اللقاء"، وقد خرجوا من ذلك اللقاء راضين جدًا.
* قصه اللقاء الأخير الذي لم يكتمل
ثمة ذكرى أخرى تختزل في طياتها الكثير من الألم والأسى، تعود إلى الأيام الأخيرة التي سبقت رحيل الحاج قاسم. كنتُ حينها في أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي، حيث التقيتُه صدفةً؛ كان الحاج يهمُّ بالمغادرة لحضور اجتماعٍ آخر قبيل اجتماعنا المُرتقب. لم تكن نيتي إثقال كاهله بمزيدٍ من المشاغل، فقد أدركتُ حينها حجم الضغوط والمهام الجسام التي كانت تقع على عاتقه، لكن قلبي أبى إلا أن يحظى بوداعٍ أو تحيةٍ أخيرة.
وقفتُ أرقبه من بعيد، وحين سنحت الفرصة، اقتربتُ منه، تصافحنا وتبادلنا السلام، وأشرتُ إليه بلطفٍ بأن لي معه كلمةً واحدة، فأومأ لي بالانتظار ريثما ينتهي من حديثه العاجل مع مرافقيه. تركتُ له مساحةً ليُنهي مشاوراته، ثم قلتُ له بأسىً مكتوم: «سأدعك الآن، لن أُطيل عليك ولن نفتح حديثًا جديدًا». مضى الحاج قاسم، ورحلتُ أنا وفي قلبي غصةٌ لا تزال تلاحقني حتى اليوم؛ غصةٌ لأنني لم أصرّ على ذلك اللقاء الأخير، ولو قُدّر لي أن أعود بالزمن، لتقدمتُ خطواتٍ أخرى نحوه، لعلّها تكون الوداع الأخير.
في اليوم التالي، توجّه الحاج قاسم إلى وجهته، وهناك... وقع الحادث الجلل. وفي تمام الساعة الثالثة فجرًا، داهمتني تلك المكالمة من بغداد؛ هاتفٌ أيقظني من نومي، وصوتٌ يرتجف ليخبرني بوقوع الحادثة، بكلماتٍ لم تستوعبها الحواس، وكأنها ضربٌ من الخيال: لقد استشهد الحاج..
المصدر: وكالة تسنيم]