تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الشهيد السيد حسن نصر الله

الأمين العام السابق لحزب الله
دائماً على استعداد لأفدي الحاج قاسم بروحي
الرجل الساحة الوحدة

لقد نشأ في مدرسة الإمام الخميني؛ مدرسة تهتم بالمبادئ والمناهج والفكر. "لقد كان قائداً لقوة القدس، وكان بإمكانه البقاء في طهران بكل بساطة، وأن يطلب من الآخرين الذهاب إليه لمقابلته؛ لكنه آثر غير ذلك، فكان يذهب إليهم ويستمع لمشاكلهم عن كثب ويتعامل معها بكل اهتمام...".
على سبيل المثال، كان بإمكانه السفر إلى لبنان أو سوريا أو العراق أو أماكن أخرى مرة واحدة كل ستة أشهر أو سنة؛ وهو ما يفعله بعض القادة. لكن في مدرسة الحاج قاسم، أنت من تذهب إلى ساحة المعركة وتلتقي بالآخرين.
 منذ عام ۱۹۹۸، أي قبل حوالي عشرين عاماً عندما رأيتُ الحاج قاسم لأول مرة وتوطدت علاقتنا، كان هو من يأتي لزيارتي دائماً، ولم أذهب للقائه إلا في حالات نادرة. كان دائماً في قلب الميدان، يلتقي بالجميع ويستمع إلى المقاتلين والمجاهدين. كان هذا الجانب من شخصيته يمنحه ميزة كبيرة في الإدارة والقيادة. ومن مزايا هذا السلوك الأخلاقي أنه كان يدعم المجاهدين ويغمرهم باحترامه ومحبته؛ فكان يقول لهم دائماً: "أنا من آتي إليكم وأراكم، فأنا في خدمتكم، ولا داعي لأن تتكبدوا عناء المجيء إلى مكتبي في طهران."
إن لهذه الكلمات والتصرفات الأخلاقية والمعنوية تأثيراً كبيراً، ولم تكن تفتح له القلوب فحسب، بل كانت تساعده على بلورة رؤى أدق وأكثر شفافية؛ أولاً: لأنها كانت تتيح له الاستماع إلى أفكار ومعتقدات من يترددون على مكتبه. ثانياً: كانت تساعده على فهم الأبعاد الأخرى للأمور. ثالثاً: كان يصغي إلى مشاكل ونواقص واحتياجات وأفكار المقاتلين في الخطوط الأمامية. ورابعاً: كانت تمنحه رؤية أوسع وأعمق وأشمل تجاه مسؤولياته.
لم يكن يكتفي بالتقارير المكتوبة الصادرة عن المسؤولين، بل كان يذهب بنفسه إلى الميدان ويشاهد الأحداث بأم عينه، ويناقشها مع الآخرين على مستويات مختلفة. هذه إحدى سمات مدرسة الحاج قاسم الفكرية، وهو أسلوب غير مألوف بين القادة. نعم، ربما ذهب قادة كبار آخرون خلال سنوات الدفاع المقدس في إيران إلى الخنادق وساحات العمليات لرؤية المقاتلين، لكن هذا النهج لم يكن رائجاً خارج حدود إيران إلا معه.
وهناك ميزة أخرى امتاز بها، وهي طاقته التي لا تنفذ؛ فلم يكن يعرف الكلل أو الملل. كنا نتعب أحياناً ونشعر بضغط العمل الشاق ، لكن الحاج قاسم كان يواصل العمل لساعات طوال، وحتى حين كان يتعب، لم يكن يتوقف. لقد امتلك قدرة استثنائية على تحمل الصعاب والمشقات. وبدون مبالغة، لم أرَ أحداً یستطیع تحمل معاناة السهر وقلة النوم مثله.
كان دؤوباً في عمله و مثابرا ، وهذه سمة أخرى من سماته الشخصية، وهي "المتابعة المستمرة". کان یتابع الامور باستمرار حتی الحصول علی النتیجه .كان يتابع كافة الأنشطة دون إبطاء. ولایوجل الامور ..ربما يكتفي الآخرون بتاجیل تنفیذ بعض المسائل الی المستقبل ثم ینسونها ، أما الحاج قاسم فلم يكن كذلك؛ إذ كان يولي أهمية كبرى لعنصر الوقت، وكان ينجز في عام أو عامين ما قد يستغرق خمس سنوات.

كان مثابرا و جدیا  للغاية، وفي الوقت نفسه، كان في غاية التواضع. كما تعلمون، قد يشعر العسكريون أحياناً بالغرور والاعتزاز بالنفس نتيجة القوة في الحروب، لكن الحاج قاسم كان متواضعاً جداً، حتى في لقاءاته مع عامة الناس. هذه بعض ملامح مدرسة الحاج قاسم الفكرية؛ فعلينا جميعاً أن نتحلى بالتواضع، ولكن من الأهمية بمكان أن يكون القائد متواضعا.ً

حين نتحدث عن المدرسة الفكرية للحاج قاسم، فإننا نتحدث حقاً عن "القدرة على خوض المخاطر"؛ فقد كان يواجه الموت في كل لحظة. كان يصر دائماً على الذهاب إلى الخطوط الأمامية، وكنتُ أعارضه في ذلك دائماً محاولاً إبقاءه في الخطوط الخلفية، لكن أحداً منا لم يكن قادراً على منعه. لقد كان الحاج قاسم يستطيع تحمل أصعب الظروف والأيام.
على سبيل المثال، في حرب الـ ٣٣ يوماً عام ۲۰۰۶، عندما شنت إسرائيل هجوماً واسعاً، جاء من طهران إلى دمشق واتصل بنا معرباً عن رغبته في المجيء إلى الضاحية الجنوبية. كنت أقول له: "ماذا تقصد؟ هذا مستحيل"، فقد كانت الجسور والطرق مقطوعة، والطائرات الحربية الإسرائيلية تستهدف كل مكان. كان الوصول إلى بيروت أو الضاحية في تلك الظروف الحربية شبه مستحيل، ولم يكن أحد يستطيع المجيء، لكن الحاج قاسم أصرّ وقال لنا: "إذا لم ترسلوا سيارة، فسآتي سيراً على الأقدام". لقد أصرّ على المجيء ليرانا، وبالفعل جاء وساعدنا كثيراً في تلك الحرب. ويقول القادة العراقيون أيضاً إنه كان يحضر دائماً في الخطوط الأمامية خلال المعارك ضد القوى التكفيرية و"داعش" في العراق وسوريا.
هذه سمة أخرى من سماته؛ فعادةً ما يتواجد كبار المسؤولين العسكريين خلف الجبهات لإدارة الألوية والفرق والسيطرة على القوات، لكن الأمر كان مختلفاً تماماً في جبهات إيران. وفي كل الأحوال، يمكننا القول إن مدرسة الحاج قاسم هي في الحقيقة مستمدة من مدرسة الإمام الخميني (ره) وتوجيهات آية الله السيد علي الخامنئي، قائد الثورة الإسلامية، ومن تجارب الدفاع المقدس. إن حرب إيران والعراق كانت تجربة فكرية وثقافية ونفسية وعسكرية كبرى، وقد تجلت هذه التجربة العظيمة في شخصية الحاج قاسم.

كان السبب الرئيسي لمجيء الحاج قاسم إلى لبنان في بداية الحرب أمراً بالغ الأهمية. لم يكن مجبراً على المجيء؛ إذ كان بإمكانه البقاء في طهران ومتابعة أخبار الحرب، أو الذهاب إلى دمشق ومتابعة المجريات عن كثب، ففي تلك الأيام لم تتعرض دمشق لأي عدوان إسرائيلي. لكن الحاج قاسم أصر على المجيء إلى لبنان. وفي الواقع، وصل إلينا في اليوم الأول من اندلاع الحرب. مكث في دمشق أولاً ثم جاء إلى لبنان في الأيام الأولى. وبعد لقائنا، بقي هنا لعدة أيام، ثم عاد إلى طهران رغم الصعوبات البالغة ليقدم تقاريره إلى آية الله السيد علي الخامنئي. ثم عاد مرة أخرى إلى لبنان، وأكرر أنه كان بإمكانه البقاء في طهران أو دمشق، لكنه أصر على العودة، وهذه المرة عاد ومعه رسالة شفهية من قائد الثورة کانت مکتوبه بخط یده ، وبقي الحاج قاسم في لبنان حتى اليوم الأخير من الحرب.

لم يذهب ويعود مرة واحدة فحسب، بل تكرر ذلك. وفي إحدى مرات عودته من إيران، كان يحمل رسالة بخط يده نقل فيها ما أملاه عليه آية الله السيد علي الخامنئي ليوصله إليّ. تلقيت الرسالة في الأسبوع الأول من الحرب، وكان مفادها أن "هذه الحرب ستكون صعبة وشديدة جداً"، وأشار قائد الثورة حينها إلى أن حرب الـ ٣٣ يوماً تشبه "حرب الخندق" (الأحزاب) في المدينة المنورة، حين كانت المدينة محاصرة واجه فيها النبي محمد (ص) وأصحابه وأهل المدينة أياماً عصيبة جداً. كما استشهد بآيات من القرآن الكريم حول حرب الخندق، والتي جاء فيها: "إذ بلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا"، حيث بلغت الشدة مبلغاً جعل البعض يشك ويرتاب. لکن(قائد الثورة) أكد  أننا سنخرج من تلك الحرب الرهيبة والصعبة منتصرين. كان من الجميل جداً أن يتحدث قائد الثورة الإسلامية في تلك اللحظات عن النصر، في حين كان العالم أجمع يشكك في قدرة حزب الله، وكانت أمريكا وأوروبا والغرب والعديد من الدول العربية تدعم إسرائيل بقوة في تلك الظروف الحربية القاسية. لقد قال سماحته: "سننتصر في هذه الحرب، لكن يتوجب علينا الصمود والمقاومة والتوكل على الله". كانت هذه تنبؤاً مهماً من جانب قائد الثورة، والأهم من ذلك قوله بأننا (محور المقاومة في لبنان) سنصبح بعد النصر في هذه الحرب قوة إقليمية لا تقهر، ولن تتمكن أي قوة أخرى من التغلب عليه.ا

على أي حال، إن معرفتي بالحاج قاسم وعلاقة الأخوة والصداقة التي ربطتني به كانت من أعظم النعم الإلهية في حياتي. فمن حيث المودة والمحبة والصدق وتقارب وجهات النظر، كنا كأخوين حقيقيين. كنت مستعداً دائماً لأفدي الحاج قاسم بروحي. ذات يوم، وبعد انتهائي من الصلاة، خطر ببالي أنه لو اتی  ملك الموت (عزرائيل) قائلا انه یرید الذهاب الی ایران ویقبض روح الحاج قاسم لکنه اخبرنی ان الله اعطاه استثناءا و هو ان یاخذ روحی کی یوجل اخذ روح الحاج قاسم ، وسألني عما إذا كنت أريد الذهاب إلى إيران ليقبض روح الحاج قاسم بدلاً مني. في تلك اللحظة، فكرتُ في ما سأقوله لملك الموت، وبالتأكيد كنت مستعداً لافديه بروحي ليتأخر قبض روح الحاج قاسم. لاحقاً، حين كنت أتحدث مع بعض الأصدقاء، سألني أحدهم: "لماذا تحمل مكانة كهذه للحاج قاسم في قلبك؟".

أجبته بأن هناك سببين: الأول هو الصداقة والمحبة والأخوة التي تجمعنا. والسبب الثاني هو إيماني الراسخ بوجوده وتأثيره؛ فأنا أؤمن بأن وجوده يساعد الإسلام والمسلمين والأمة الإسلامية والمقاومة أكثر من وجودي. إن المسألة ليست مجرد عاطفة عابرة، بل هي إيمان ببركة وجود هذا الرجل، ولهذا السبب له مثل هذه المكانة في قلبي.---